منتديات هاى حب

منتديات هاى حب (https://forums.hi7ob.com/)
-   منتديات اسلامية (https://forums.hi7ob.com/forums7ob4.html)
-   -   الــدار الآخــره (https://forums.hi7ob.com/love6111.html)

زهره بلا عطر 16 - 11 - 2010 8:39 PM

أيها الأخوة في الله لما علم الصالحون هذا النعيم ورأوا أن الفرصة قائمة وأن السوق رائجة وأن الثمن الجنة رفعوا رؤوسهم فنظروا إلى الأعلام فإذا هي أعلام الجنة قد نصبت فشمروا شمروا إليها فماذا عملوا قدموا أموالهم وقدموا دمائهم وقدموا أوقاتهم وقدموا كل ذرة وكل نفس من حياتهم ثمنا للجنة ففازوا وأفلحوا يحدوهم في ذلك؛ ماذا يحدوهم؟ يحدوهم ترغيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الجنة ونعيمها يوم كان صلى الله عليه وسلم لا يضع جائزة إلا الجنة على أي عمل من الأعمال يقول النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الأمثلة في الجوائز من يجهز جيش العسرة وله الجنة من يشتري بئر رومة وله الجنة من يعمل كذا وله الجنة من أقبل هذا اليوم ولم يدبر صادقا محتسبا فله الجنة وتجده يرفعهم إلى الجنة دائما لا يضع شيئا ماديا عندنا دنيوي وإنما يرفعهم على زخرف الدنيا إلى الجنة ونعيمها أرأيتم إليه يوم يأتيه [خالد بن الوليد] رضي الله عنه وأرضاه يوم يرسل إليه قميص مخوصا بالذهب والقميص هذا [الأكيدر] ملك دومة الجندل يوم ذهب إليه خالد فأخضعه واستأسره وأخذ قميصه الذي عليه مخوصا بالذهب موشا بالذهب فأرسله للمصطفى صلى الله عليه وسلم يوم كنا نغزوا ولا نغزى يوم كنا نفرض شروطنا ولا تفرض علينا الشروط

كم صرفتنا يد كنا نصرفها *** وبات يملكنا شعب ملكناه
رباه ارفع ما بالأمة رباه ارفع ما بالأمة فإنها قد ذلت وأي ذل ولا رافع لهذا الذل إلا أنت سبحانك وبحمدك يا أيها الأخوة يوم جاء النبي صلى الله عليه وسلم هذا القميص نظر الصحابة وتجمعوا وقالوا قميص من ذهب والواحد منهم ما يجد ما يستر به سوءته أعجبوا بهذا فقام النبي صلى الله عليه وسلم ليرفعهم عن هذا الزخرف قال كما في [البخاري] أتعجبون من هذا لمناديل [سعد بن معاذ] في الجنة خير من هذا والله لبعض ذاك المنديل خير من هذا عند الله جل وعلا فكان يرفعهم فارتفعوا ها هو أولهم ها هو خير من دب على الثرى بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه الذي كان سند للمصطفى صلى الله عليه وسلم قدم ماله وقدم أهله وقدم كل شيء في سبيل الله يريد ما عند الله فماذا أرسل الله له فماذا قدم الله له من جائزة اسمعوا إليه يوم يأتيه محمد صلى الله عليه وسلم يدعوه ويدعوني ويدعوك ويدعو كل إنسان إلى قيام الساعة فيقول قولوا لا إله إلا الله تفلحوا يريد أن ينقذهم من النار لكن بعض الناس كالفراش لا يزال يرى النور فيتركه ويرمي بنفسه في النار فيقول أبو بكر ماذا قال قال أنفكر ننظر في هذا الأمر قال ما جربت عليك كذبا أشهد أنك رسول الله وأشهد أن لا إله إلا الله قبل ذلك مد يدك أبايعك فكانت أول يد امتدت إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم هي يد أبي بكر يد أبي بكر رضي الله عنه الذي هضم حقه والذي لعنه بعض الذين أخذ الله سمعهم وأبصارهم فرضي الله عنه وأرضاه ولعن من أبغضه وعاداه يا أيها الأخوة هل وقف أبو بكر وقال لا إله إلا الله . لا والله بل قام بعد ذلك كلما سمع أمرا للمصطفى صلى الله عليه وسلم وجاءه الصادون عن سبيل الله يقولون يقول صاحبك كذا وكذا يقول رسولك كما تزعم كذا وكذا يوم عرج به إلى السماء قالوا نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس شهرا ويقول ذهب في ليلة وعرج به إلى السماوات وعاد إلى هنا كانوا يظنون أن أبا بكر سيقول لا أما هذه فلا قال إن كان قال فقد صدق يا ليتها عنوان لنا يا ليت ذلك عنوان لنا في كل لحظة من لحظاتنا يوم نسمع أوامر المصطفى يوم نسمع أحاديث المصطفى نقول إن كان قال فقد صدق سمعنا وأطعنا قال إن كان قال فقد صدق هل اكتفى بالتصديق فقط لا خرج من عند المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو لم يحفظ سوى بعض آيات من القرآن لكنه رأى أن المسئولية عظيمة وأن الخطب جسيم وأن المؤمن له دور في بيته وفى مجتمعه له دور سيسأله الله يوم يقف بين يديه ماذا قدم لهذا الدين ماذا عمل لهذا الدين فخرج فذهب وعاد وقد أدخل ستة من العشرة المبشرين بالجنة في دين الله فلا إله إلا الله يأتي يوم القيامة وقد أدخل في دين الله ستة من العشرة المبشرين بالجنة يأتي وهم في ميزانه يوم يلقى الله جل وعلا هل اكتفى بذلك لا بل صفى تجارته وصفى أمواله صفى أربعين ألفا في يوم واحد ثم أخذها جميعها فإلى أين يذهب رأى المستضعفين من المسلمين رأى الموالي الذين شهدوا أن لا إله إلا الله يوم رفض الشرفاء كما يزعمون والكبراء رآهم يستضعفون رآهم يزلون خشي عليهم أن يفتنوا في دينهم فقال أتاجر مع الله ونعمة التجارة في شراء هؤلاء وإعتاقهم لوجه الله تعالى يمر على [بلال] في بطاح <مكة> يا أهل مكة وأنتم تعلمون شدة الحر في هذه البطاح يمر عليه في الرمضاء وهو يضرب ويوضع فيها و توضع الحجارة على صدره رضي الله عنه وأرضاه وإذ به يقول أحد أحد يتعلق بالله فيقول له أحد ينجيك أحد ينجيك يعني الله الأحد سينجيك يا بلال ويذهب وهو يحترق لما يرى هل جلس في بيته وبقي يتكلم ويقول إنا لله ولا حول ولا قوة إلا بالله؟ لا ذهب وأخذ خمسة أواقي من ذهب من حر ماله وأخذها في يده وذهب بها إلى [أمية بن خلف] إلى سيد هذا مع أن بلال سيد له ما كان سيدا الكافر أبدا ذهب إليه وقال هذه خمس أواقي من ذهب أتبيعني بلالا قال أبيعك لا خير فيه لأنه استعصى عليه ورفض أن ينساق معه إلى النار فأخذ منه الخمس أواق وقال والله لو أبيت إلا أوقية واحدة لأعطيتك [بلالا] زهدا فيه قال والله لو أبيت إلا مائة أوقية من ذهب لأعطيتك إياها لأن لأبي بكر معايير ومقاييس ليست لذاك ولأمثاله ذاك من الذين أخذ الله سمعهم وأبصارهم هل وقف عند ذلك قام المستهزئون وقام الساخرون يقولون ما أنفق أبو بكر هذا المال وأعتق بلال إلا ليد كانت لبلال عنده لنعمة لمعروف قدمه بلال يريد أن يكافئه أبو بكر لكن الرد من من يدافع عن الذين آمنوا الرد من الذي يعصمك من الناس الرد من الله جل وعلا يأتي فورا ينزل به جبريل على المصطفى صلى الله عليه وسلم (وما لأحد عنده من نعمة تجزى) ما لأحد عند أبى بكر من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ما جزاؤك يا أبا بكر (ولسوف يرضى) من الذي وعده بالرضى الذي خلقه والذي أمره والذي أعد له ما أعد والذي جعل إعتاق الأرقاء من أعظم الأعمال التي يعملها هل توقف أبو بكر عند هذا لا والله ما توقف وما كان له أن يتوقف ووالله لو استرسلنا في كلامنا عن أبي بكر لما كفانا هذا المجلس ولا مجالس آخر ولا مجالس آخر ولكن حسبنا منه هذه المواقف ماذا أعد الله له عز وجل يدعى يوم القيامة من أبواب الجنة الثمانية كل مع باب أما أبو بكر فمن أبواب الجنة الثمانية يدعى يوم القيامة كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم هل أبو بكر فقط ننتقل لغيره لنرى ونعلم أن هناك رجالا قد قدموا وأننا إذا مشينا على ما مشوا عليه واقتدينا بما اقتدوا به وصلنا إليهم بإذن الله جل وعلا جاءت المصطفى صلى الله عليه وسلم تحصل خصومة كما قال [البخاري] عليه رحمة الله كما روي [البخاري] عليه رحمة الله حصلت خصومة بين يتيم وصحابي على نخلة والناس على الدنيا تجد النزاع بينهم عظيما ولم يخل منه حتى عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم كان هناك بستان لهذا الصحابي وبستان آخر لهذا اليتيم وبينهما نخلة وهذا اليتيم لا زال لم يدرك حق الإدراك فقال هذا الصحابي هذه النخلة لي وقال هذا اليتيم الصغير هذه النخلة لي تشاجرا فذهب اليتيم فاشتكي هذا الصحابي إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم فأحضر هذا الصحابي وقال هذا الطفل أو هذا اليتيم يشكوك أو كما قال صلى الله عليه وسلم في نخلة أخذتها له قال والله ما كان ذلك لي يا رسول الله وما كنت لآخذ نخلته قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا نخرج ونعاين خرج النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمد على كلام هذا ولا هذا وإنما خرج ليعاين البستانين ويعاين النخلة تواضع منه صلى الله عليه وسلم وحكم عدل لأنه يأخذ عن العدل سبحانه وتعالى خرج وذهب وعندما وصل إلى ذاك المكان فإذا بالنخلة في بستان الصحابي واضحة جلية فهل يعطف على هذا اليتيم فيحكم بغير حكم الله لا ما كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم بالنخلة للصحابي فزرفت دموع اليتيم على خديه فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجبر كسر قلب هذا اليتيم لأنه لم يدرك الحق فقال لهذا الصحابي أتعطيه هذه النخلة ولك بها عزق في الجنة عزق نخل في الجنة مقابل هذه النخلة لكن الصحابي كان في وقت غضب إذ كيف يشكوه والحق له ويشكوه إلى من إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم فيذهب وكان في الجلسة رجل يتمنى مثل هذه الفرصة اسمه [أبو الدحداح] رضي الله عنه وأرضاه قال يا رسول الله لأن اشتريت هذه النخلة وأعطيتها هذا اليتيم ألي العزق في الجنة قال لك ذلك فيلحق بهذا الصحابي ويقول أتبيعني هذه النخلة ببستاني كله خذ بستاني كله وأعطني هذه النخلة قال أبيعكها لا خير في نخلة شكيت فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فباعه النخلة بالبستان كله وذهب إلى أهله ونادى فيهم يا [أم الدحداح] ويا أبناء [أبى الدحداح] قد بعناها من الله فاخرجوا منها خرجوا ومع أطفاله بعض الرطب فقام يأخذه ويرميه فيها ويقول قد بعناها من الله جل وعلا لا نخرج منها بشيء بعزق في الجنة خرج هو وأهله وقد باع كل شيء واشترى عزق من نخلة عند الله جل وعلا هل قال خلاص انتهينا لنا نخلة في الجنة يكفي لا نصلي لا نصوم لا نعمل أي شيء لا الذي بذل هذه سيبذل أعظم منها بذل المال وبذل الأولاد وبذل كل نعيم في هذه الحياة ثم في الأخير يقدم نفسه لله جل وعلا يخرج في معركة أحد معركة أحد الصادقة للصادقين والذي ابتلي فيها المؤمنون ابتلاء شديدا وربي فيها المؤمنون تربية عظيمة وكسرت فيها رباعية المصطفى صلى الله عليه وسلم وشج وجهه يوم انتهت المعركة ذهب يفتش صلى الله عليه وسلم وهو في تلك الحالة عن أصحابه يتفقدهم ويأتي إلى صاحب العزق إلى [أبي الدحداح] وإذ به مدرج بدمائه فيرفعه ويمسح الدم عن وجهه ويقول رحمك الله أبا الدحداح كم من عزق مدلل الآن لأبي الدحداح في الجنة لا إله إلا الله ماذا خسر أبي الدحداح خسر تراب خسر شجيرات خسر نخيلات لكنه فاز بجنة عرضها كعرض الأرض والسماوات فمن أدخل الجنة فقد فاز فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز هل هذا فقط في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم والله إن الأمثلة لكثيرة وإن النماذج لعظيمة ولكني أنتقل بكم إلى نموذج آخر قصير [حنظلة] وما حنظلة يا أيها الأخوة ذلك العبد الذي يؤمن في يوم ويتزوج وفي ليلته التي يدخل فيها على زوجته وبعد ما يقضي وتره من زوجته وإذ بمنادي الجهاد ينادي يا خيل الله اركبي يا خيل الله اركبي أيجلس مع هذه في كامل زينتها في أول ليلة من زواجه خرج وهو جنب ليقدم نفسه إلى الله لتنتهي المعركة ويجدوه مدرجا بدمائه والمياه لا زالت تقطر من على رأسه و جسده من أين جاءته المياه من أين لا مطر من أين لا ماء ينظرون فيقول المصطفى صلى الله عليه وسلم لقد رأيته بين السماء والأرض تغسله الملائكة في صحاف من ذهب وفضة فسلوا زوجه ذهبوا لزوجته ليسألوها قالت خرج وهو جنب خرج وهو جنب فغسل في صحاف من ذهب بشرى له الآن وله عند الله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذاك غسيل الملائكة والله لن نبلغ مراتبهم حتى نتبع الطريق الذي اتبعوا نتبع ذلك النور الذي أخذوا منه والذي اقتبسوا منه وإن لم نقتبس ونأخذ من ذلك النور فوالله إن الخيبة والندامة نسأل الله ألا نكون من أهل الخيبة والندامة.
لا نقول ذلك فقط سننتقل بكم إلى نموذج آخر في عصر متأخر ويذكر هذا [ابن القيم الجوزي] في صفة الصفوة في الجزء الرابع رجل اسمه [أبو قدامة] [أبو قدامة الشامي] ليس [ابن قدامة] يقول [أبو قدامة الشامي أغارت جيوش النصارى على بلدة من بلاد <الشام> يوم كانوا إذا أغاروا وجدوا الليوث أمامهم يوم كانوا إذا أغاروا نيل منهم ما نيل ورجعوا ليدفعوا الجزية صاغرين قال أغارت فماذا يعمل ذهب إلى المسجد الذي تعقد فيه مؤتمرات المسلمين والذي تعقد فيه كل مشاكل المسلمين لحلولها والذي تطرح فيه الآراء والذي منه تنطلق الجيوش والذي منه تنطلق الكتائب والذي ما كان صلى الله عليه وسلم يعمل عملا إلا وانطلق من هذا المسجد يذهب إلى المسجد ويقف على منبر المصطفى صلى الله عليه وسلم وينادي في الناس على المنبر في خطبة الجمعة حضر النساء وحضر الرجال وقام ينادي فيهم نداء عظيما ويقول (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيله) (انفروا خفافا وثقالا) لم يترك آية من آيات الجهاد ولم يترك حديثا من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فاشرأبت الأعناق إلى الجنة وأرادت ما عند الله منهم من يريد اثنتين وسبعين حورية من الحور العين ومنهم من يريد ما هو أعظم من ذلك النظر إلى وجه الله الكريم ويرتفع الأمر ويرتفع ونقف عند خطبة أبو قدامة إلى ما بعد الأذان.

خطب أبو قدامة خطبته وصلى الناس وكل في نفسه أن يدخر له عند الله منزلة بمشاركته في هذا الجهاد حتى النساء والأطفال وخرج ذاهبا إلى بيته وبينا هو في الطريق في أحد الأزقة وإذ بامرأة تقول السلام عليك يا أبا قدامة قال فقلت في نفسي لعلها تريد أن تفتنني لأنه يعلم أن النساء في الغالب فتنة فاتقوا الدنيا واتقوا النساء قال فلم أرد عليها فقالت السلام عليك يا أبا قدامة قال فلم أرد عليها قالت السلام عليك يا أبا قدامة ما هكذا يفعل الصالحون قال فتوقفت قال فجاءت وقالت يا أبا قدامة سمعت منك ما قلت على المنبر سمعت آيات الله وسمعت حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم هذا ظرف أقدمه علني أن أكتب عند الله من المجاهدات في سبيله ماذا في هذا الظرف قالت فيه ضفيرتان من شعري والله لم أجد ما أقدمه أغلى من هاتين الضفيرتين اجعلهما لجاما لفرسك في سبيل الله علّ الله أن يكتبني في عداد المجاهدات في سبيله فأجهش أبو قدامة بالبكاء وقال والله هذا هو أول النصر هذه بشارة النصر أن تقدم امرأة شعرها يوم لم تجد ما تقدمه إلا هذا جادت بما لديها يوم لم تجد إلا شعرها و هو أعز ما لديها فأخذه وذهب لبيته وبقي يجمع في الصفوف وفي اليوم الثاني ينطلق بكتائب الإيمان يريد أن يقابل الروم في موقعة من المواقع وإذا بذاك الطفل يقابله طفل صغير أمثاله لا زالوا عندنا يلعبون في الشوارع لا هدف لهم ولم يغرس فيهم أي هدف يقول يا أبا قدامة أسألك بالله إلا جعلتني في عداد المجاهدين في سبيل الله قال يا بني أخشى عليك صغير تطأك الخيل والإبل بأخفافها أخشى عليك أن توطأ بين هذه قال أسألك بالله لا تحرمني الشهادة في سبيل الله أطفال يا أيها الأخوة بهذه الهمم أسأل الله أن يجعل في الأمة رجالا كهؤلاء الأطفال ويتقدم أبو قدامة مندهشا فيقول أقبلك بشرط واحد إن استشهدت في هذه المعركة أن أكون من شفعائك عند الله لأنك ستشفع في سبعين قال قبلت الشرط فركب معه وأبو قدامة يحار في تلك المرأة ويحار في هذا الصبي ويقول والله جيش لجام الفرس فيه ضفائر امرأة وجيش فيه مثل هذا الطفل يريد أن يموت في سبيل الله جيش لا يهزم بإذن الله (ولينصرن الله من ينصره) أخذه رديفا له على دابته وبينما هم مقبلون على الروم قال يا أبا قدامة ومعه خرج كان يحمل خرجا معه لا يعلمون ماذا فيه فقال يا أبا قدامة أسألك بالله ثلاثة أسهم أرمي بها في سبيل الله قال يا بني ستضيعها ولا نستفيد منها دعها لمجاهد يوغل بها في الروم قال أسألك بالله ثلاثة أسهم قال لا تنس الشرط قال لا أنساه قال فأعطاه ثلاثة وعندما قابلوا الجيش أخذ الأول وقال السلام عليك يا أبا قدامة وأطلقه فقتل روميا ثم أخذ الثاني وقال السلام عليك يا أبو قدامة فقتل روميا آخر ثم أخذ الثالث فقال السلام عليك يا أبا قدامة سلام مودع ثم رمى به فقتل روميا وجاءه سهم طائش فضربه في لبته فسقط من على الفرس يقول أبو قدامة فسقطت وراءه وأقول له يا بني لا تنس الوصية لا ينسى أن يشفع له عند الله جل وعلا قال يا أبا قدامة خذ هذا الخرج وأعطه أمي قال ومن أمك فقال أمي صاحبة الضفيرتين الله أكبر يا أيها الأخوة أسر يخرج منها مثل هؤلاء هذه هي أسر المؤمنين هذه هي الأسر التي نرجو من الله أن يكثر من هذه الأسر بأسر المؤمنين يا أيها الأخوة فينتهش مكانه ويجهش بالبكاء ويجلس ويقول الله أكبر جيش فيه مثل هؤلاء وفيه مثل هذه الأسر لا يهزم أبدا أبشروا بالنصر أبشروا بالنصر ويأتون ليدفنوه فيفتح له القبر ويضعوه وبينما هم يدفنونه إذ لفظته الأرض فتعجبوا وخافوا واندهشوا يقول [ابن الجوزي] والموقف يستحق ذلك أن يدهشوا قال فأخذتني سنة من نوم والناس يدوكون ويقولون لعله لم يستأذن أبويه لعله مراء كذا مع أنه لم يبلغ الحلم لم يكلف بهذا كله قال فجاءتني سنة من النوم وإذ بمناد يناديني ويقول يا أبا قدامة اترك وليي الله يا أبا قدامة اترك ولي الله هؤلاء هم أولياء الله الذين أخذوا طريق الله وأخذوا طريق رسول الله لا أولياء الشر والبدعة لا أولياء الخرافة إنهم هؤلاء هم الأولياء أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يأخذ عن الوحي والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي قال فتركناه وإذ بطير تنزل من السماء فتنقط لحمه من على عظمه حتى لا يبقى على عظمه شيء وتأخذه إلى السماء قال فزادت الدهشة قال ثم دفنا هيكله العظمي وذهبنا وكان أن نصرنا في هذه الموقعة ورجعنا بالخرج هذا لنذهب إلى صاحبة الضفيرتين أم الولد لنعزيها في ابنها قال فجئت إلى البيت وطرقت عليها الباب فخرجت أخته وقالت أمهنئ، أم معز؟ قال بل مهنئ قالت إذا استشهد أخي قال إي والله لقد استشهد قالت إذا فهنئنا لقد رزئنا بابينا فاحتسبناه عند الله ورزئنا بأخينا الأكبر فاحتسبناه عند الله والآن رزئنا بأخينا الأصغر فنحتسبه عند الله فلنا ما لهم في الجنة عند الله فتخرج أمه فيقول أحسن الله عزائك في ابنك قالت أمعز إذا هو ليس بشهيد أمهنئ قال إي والله قالت وما أدراك قال إنه شهيد قالت لذلك علامة اذكرها لي فما كان منه إلا أن قام ليذكر هذه العلامة وقال يوم أن دفناه لفظته الأرض وجاء الطير من السماء فالتقطت هذا اللحم فلم يبق إلا عظمه قالت إذا فهنأني الآن إنه شهيد بإذن ربه تبارك وتعالى قال فما هذا الخرج أوصاني أن أعطيك إياه قالت أتدري ماذا فيه ثم أخرجت ما فيه فإذا هو قيد وإذا هو لباس من صوف خشن قال ما هذا يا أمة الله قالت كان إذا جنه الليل أخذ هذا القيد فقيد نفسه ثم أخذ هذا اللباس فلبسه ثم بقي طول ليله يذكر الله قائما وقاعدا وعلى جنبه يبكي يضرع إلى الله فإذا جاء وقت السحر وقت نزول الرب تبارك وتعالى هل من داع فأستجيب له يوم يأتي ذاك الوقت يرفع يديه ويقول اللهم لا تحشرني إلا من حواصل الطير شهيدا في سبيلك اللهم لا تحشرني إلا من حواصل الطير شهيدا في سبيلك رجل أو طفل صدق الله فأعطاه الله ما سأل فله في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
يتبع


زهره بلا عطر 16 - 11 - 2010 8:40 PM

نأخذ بعض الأعمال التي توصلنا إلى ما وصلوا إليه يا أيها الأخوة.
يا أيها الأخوة هذه سلعة الله وهذا بعض نعيمها وما رائي كمن سمع وما مخبر كمعاين سلعة الله غالية سلعة الله الجنة خلقها الله يوم خلقها وخلق فيها ما لا عين رأت ثم قال لجبريل اذهب فانظر إليها كما في صحيح [مسلم] فذهب إليها ونظر فإذا فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت فرجع وقال يا رب وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد إلا ودخلها فحفها الله بالمكاره حفها الله بالتكاليف حفها الله بما يجب أن نعمله ثم قال ارجع ثم انظر إليها يا جبريل فنظر فإذا هي حفت بالمكاره فعاد فقال يا رب وعزتك وجلالك قد خشيت ألا يدخلها أحد يخشى ألا يدخلها أحد لما حفت به من المكاره يا أيها الأخوة خلقها الله وجعلها دار رحمته وكرامته ورضوانه ثم قال لها تكلمي قالت (قد أفلح المؤمنون) فمن هم أهلها إذن أهلها المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون واقرءوا أول سورة المؤمنون أهلها من أطاع الله ورسوله فحققوا التوحيد وأصلحوا العمل واتبعوا المصطفى صلى الله عليه وسلم (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما) وقال صلى الله عليه وسلم مبينا أهلها "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى‍! قالوا ومن يأبى يا رسول الله؟" لا يتصورون أن هناك إنسان يأبى ذلك "قالوا ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" أهلها من حاربوا البدع وأحيوا السنن وعلموا أن البدع مردودة ليس لها قبول قبيحة ليس فيها حسن ضلالة ليس فيها هدى باطل ليس فيها حق وزر ليس فيها أجر لأنها شرع لم يأذن الله به ولم يكن على أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم ولا على أمر أصحابه والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو عليه رد" وهو القائل صلى الله عليه وسلم "كل بدعة ضلالة" أهلها من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام وحج وصدق مع الله واتبع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم "من رغب عن سنتي فليس مني" كما أخبر هو صلى الله عليه وسلم أهلها من أهلها من تركوا المراء "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا" من أهلها أهلها من ترك الكذب "أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا" من أهلها أهلها من حسنت أخلاقهم "أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه" يقول أحد السلف ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة أهلها أهل قيام الليل من (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا) أهلها من (الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) أهلها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أهلها من بذلوا أنفسهم ليأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ولما كان الأمر والنهي يجد الإنسان في طريقه المتاعب ويجد المشاق جعل الله له في الجنة جزاء عظيما اسمع [لأبي هريرة] رضي الله عنه يوم يذكرك بهذا الجزاء فيقول إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء إذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيف كلهن مثل جمالها تقول هذه العيناء أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر عوضا لهم عما لقوه في الدنيا من أذى عوضا عما لاقوه من مشقة عوضا عن ما لاقوه من استهزاء وسخرية من أهلها أهلها من باتوا لا يحملون على أحد حسدا أهلها أهل العفو أهلها من ضمن ما بين لحييه وما بين فخذيه أهلها من أفشوا السلام وأطعموا الطعام ووصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام أهلها من راقبوا الله جل وعلا في كل حركة من حركاتهم وسكناتهم وعلموا كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسل أن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وسمك كل سماء خمسمائة عام وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام ومن فوق ذلك خمسمائة عام ومن فوق ذلك عرش الرحمن الله مستو عليه عال عليه بائن من خلقه (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا) يجب أن نستشعر هذا الله عز وجل معنا بعلمه معنا بقدرته لا يمكن أن نذهب عن نظر الله طرفة إن بعض الناس يوم يعصي الله يستتر بالجدران ويستتر بالحيطان ونسي الواحد الديان انظر لا تنظر إلى المعصية ولكن انظر لعظمة من عصيت إلا أن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة هبت رياح الجنة عباد الله فاغتنموها لتفوزوا بنعيمها فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ألا فالسباق السباق ألا فالبدار البدار جددوا السفن فإن البحر عميق وأكثروا الزاد فإن السفر طويل وخففوا الحمل فإن العقبة كؤود وسابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون يا مذنب أذنب وأساء وكلنا ذاك المذنب يا مخطأ أخطأ وذل وكلنا ذلك المخطأ والذال عودة إلى الله خير الخطائين التوابون يا ابن آدم يقول الحق تبارك وتعالى "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة "ما أرحم الله ما ألطف الله ما أحلم الله نسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن يتقبل منا أعمالنا أن يتقبل منا أعمالنا وأن يتوب علينا ،من لنا إلا أنت يا ربنا إن لم تتب علينا يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم هل نستغفر الله ولنعد إلى الله والله نحن بحاجة إلى التوبة ملتزمنا ومنحرفنا وضالنا أحوج من الماء وأحوج من الطعام وأحوج من اللباس لقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم سبعين مرة وقيل مائة مرة صلى الله عليه وسلم وهو من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ثم اعلموا أن المولود إذا ولد ماذا نعمل له نؤذن في أذنه اليمنى فإذا مات ماذا نعمل نصلي عليه فكأن الحياة ما بين الأذان والصلاة ولا إله إلا الله ما أقصرها من حياة أتقصر بالمعاصي أتقصر بالشهوات والجري وراء الغرائز والنزوات ما قصرها بهذا إلا شقي ونسأل الله ألا يكون بيننا شقي فإياكم وسوف وإن ما عزم إلى الله وانتبهوا من سوف فإن سوف جندي من جنود إبليس سوف أعمل سوف أعمل أعماركم تمضي بسوف ربما لا تجنون سوى عسى ولعل ما هم المسوف كالتعلق بالسما أعماركم تمضي عجال إنما أنتم على سفر من الأسفار كأنكم بالجنة وقد فتحت أبوابها وتقسمها أصحابها وغنت السن الأماني قريبا من قبابها بشرها دليلها وقال غدا ترين الطلح والجبال

يتبع


زهره بلا عطر 16 - 11 - 2010 8:40 PM

فحي على جنات عدن فإنها *** منازلنا الأولى وفيها المخيم
وحي على روضاتها وخيامها *** وحي على عيش بها ليس يسأم
أيا ساهيا في غمرة الجهل والهوى *** صريع الأماني عما قليل ستندم
أفق قد دنا الوقت الذي ليس *** بعده سوى جنة أو حر نار تبرم
وتشهد أعضاء المسيء بما جنى *** كذاك علا فيه المهيمن يختم

أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرحمنا اللهم إنا نحن عبادك الفقراء إلى رحمتك ارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء اللهم جازنا بالإحسان إحسان وبالسيئات عفوا وغفرانا اللهم اجعل هذا الجمع جمعا مباركا اللهم اجعلنا منصرفين منه وقد كتبت لنا أن نسكن رياض جنانك اللهم لا تحرمنا نعيم الجنان اللهم ويسر لنا الطريق إليك إنك على كل شيء قدير اللهم بيض وجوهنا يوم تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة إنك غفور رحيم وبالإجابة جدير اللهم إنا نسألك من فضلك الكريم اجعل هذا الجمع جمعا مغفورا له وإذا انصرف فمنصرف مغفورا له وإذا مشى كنت معه بسمعك وبصرك وأنت الله لا إله إلا أنت سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.


فضيلة الشيخ / علي عبد الخالق القرني



يتبع


زهره بلا عطر 16 - 11 - 2010 8:42 PM

صـفـة الـنـار

لربما تصورت –أخي الكريم- إن نار جهنم في حرها كنار الدنيا التي نعلم, ولكن الأمر ليس كذلك فهي أشد فيحاً. وإنما نار الدنيا جزء قليل من جهنم, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من جهنم قالوا يا رسول الله وغن كانت لكافية قال:فإنها فضلت بتسعة وستين جزءاً" [البخاري ومسلم] بل إن شدة الحر التي نشكو منها في الدنيا, ونتقيها بما نملك من وسائل التبريد والتلطيف إنما هي نفس جهنم تتنفسه, كما أن البرد الذي نشكو زمهريره ورعشته إنما هو نفس جهنم, قال صلى الله عليه وسلم :" اشتكت النار على ربها, فقالت رب أكل بعضي بعضاً, فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف, فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير" وقال صلى الله عليه وسلم :" أبردوا بالصلاة,فإن شدة الحر من فيح جهنم" [البخاري مع الفتح]
قال كعب الحبار: والذي نفس كعب بيده, لو كنت بالمشرق والنار بالمغرب ثم كشف عنها لخروج دماغك من منخريك من شدة حرها. يا قوم هل لكم بهذا قرار؟ أم لكم على هذا صبر؟ يا قوم طاعة الله أهون عليكم من هذا العذاب فأطيعوه.
أخي: لو لم يكن في النار إلا هذا الحر لكفى به واعظاً ورادعاً عن المعصية.. فكيف والأمر أشد وأعظم { كَلَّا إِنَّهَا لَظَى{ نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} (المعارج 15-16)
تشوه لحم الوجه وتنزع جلده فتفقده شكله وتسلبه حسنه, إنها قعر مليئة بالخنادق المكفهرة والجبال الحامية العلية, والحيات والعقارب والمقامع والغلال والأصفاد.. طعامها مرير, وماؤها حار حميم, وكلها ذل ومهانة وخزي وندامة وحسرة تعض منها الأنامل, ويود الكافر فيها لو كان تراب{ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ* وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ *وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ } (المعارج 11- 14)
فهيء جواباً عندما تســمع الندا *** من الله يوم العرض ماذا أجبتـم
به رسلي لما أتوكم فمــن يكن *** أجاب سواهم سوف يخزي ويندم
وخذ من تقى الرحمن أعظم جنـــة *** ليوم به تبــــدو عياناً جهنم
وينصب ذاك الجسر من فوق متنها *** فهاو ومخـــدوش وناج مسلم

ولا تسل عن أكلها وشربها وفراشها ودركاتها فهي جحيم ولظى ونيران لا تفنى أعدها الله لكل جواظ عتل مستكبر, إذا ذكر لا يذكر, وإذا وعظ لم يتعظ, وإذا سمع آيات الله اتخذها هزواً ولعباً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر" [رواه البخاري ومسلم] وقال صلى الله عليه وسلم :" صنفان من أهل النار لم أرهما, قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس, ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات, رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة, لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" [السلسلة الصحيحة]

وقودها ودركاتها :
وقود النار: واحذر –أخي الكريم- أن تلهيك الدنيا ويمينك سرابها فتكون وقوداً لجهنم, فإنما وقودها الناس والحجارة, قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة } (التحريم 6) وقال سبحانه:
{ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين } (البقرة 24)
فالناس هم الوقود وهم المعذبون.. فسبحان الخالق القادر.
يقول ابن رجب الحنبلي –رحمه الله-:" وأكثر المفسرين على أن المراد بالحجارة حجارة الكبريت توقد بها النار ويقال: إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها: سرعة الإيقاد وكثرة الدخان, وشدة الالتصاق بالأبدان, وقوة حرها إذا حميت" [التخويف من النار] فالنار هذه حالها, وهذا شكلها, والكفار والفجار من الناس وقودها, أحق أن تتقى وأحق أن يعمل لاجتنابها واجتناب أهوالها,فكابد –يا عبد الله- فغن الخطب جلل, وازهد في الحرام وابتعد عن الشبهات.
إنما الدنيا إلى الجنة والنار طـــريق *** والليالي متجر الإنسان والأيام سوق
قال تعالى:{ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً } [الحديد20]
دركات النار: وكما أن الجنة درجات ومنازل فإن النار دركات مختلفة, بحسب إجرام أهلها, وأعمالهم في الدنيا, قال تعالى:{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا }(النساء145) وهي فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار لغلظ إيذائهم للمؤمنين وغلظ كفرهم ومكرهم.
قال كعب الأحبار:" إن في النار بئراً ما فتحت أبوابها بعد, مغلقة ما جاء على جهنم يوم منذ خلقها الله تعالى إلا تستعيذ بالله من شر ما في تلك البئر مخافة إذا فتحت تلك البئر أن يكون فيها من عذاب الله ما لا طاقة لها به ولا صبر لها عليه الدرك الأسفل من النار" [التذكرة للقرطبي]. وأما أهون الناس عذاباً في النار, فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رحل يوضع على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه" [مسلم]
فتذكر أخي الحبيب: إذا كان هذا حال أهون الناس عذاباً يوم القيامة, فما بال غيره.
فيا أخي:

تذكر يوم تأتي الله فــردا *** وقد نصبت موازين القـضاء
وهتكت الستور عن المعاصي *** وجاء الذنب منكشف الغطاء

وإن من شدة ما يجده أهل النار من الأهوال وألوان العذاب يتمنون فدية أنفسهم بكل شيء قال تعالى:{ ِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } [آل عمران 91] وقال سبحانه:{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[المائدة] وما ذلك إلا لعظم النكال والعذاب في تلك الدركات فلا نصير ولا منقذ ولا معين, بل إنهم يودون لو يفتدون بأبنائهم الذين من أصلابهم قال تعالى:
{يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ* وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ *كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} [المعارج 11-16]

سلاسلها وأغلالها وشدة حرها:
سلاسلها وأغلالها: وأهل النار في عذاب دائم, فقد جعل الله في أعناقهم الأغلال يسحبون منها, فتزيدهم عذاباً على عذاب وخلق لهم سلاسل يسلكون فيها. قال تعالى:{ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ } [غافر 71], وقال سبحانه:{ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ }[الحاقة 32]. وما أعظم تلك السلاسل والأغلال, وتلك المقامع والأصفاد, وما أثقلها على أهل النار. ويا للهوان والذل الذي يجلبه منظر حاملها وسط الجحيم, فإنما قيدهم الله بها إذلالاً لهم لا خشية هربهم كما يقيد السجين في الدنيا.
قال الحسن:" إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرب, ولكنهم إن طفا بهم اللب أرسبتهم" [الزهد للحسن البصري] فاعمل يا عبد الله امهد لنفسك, فجسدك لا يطيق حلقة من تلك السلاسل الغلاظ, ولا يقوى على المكوث في حفرة النار لحظة واحدة, فهو عذاب لا ينفع معه صبر ولا جلد, ولا مال ولا ولد, ولن ينجيك منه أحد, سوى ما قدمت من عمل في هذه الأيام

مثل وقوفك يـوم الحشر عريانا *** مستطعفا قلق الأحشــاء حيرانا
النار تزفر من غيــظ ومن حنق *** على العصاة وتلقى الرب غضبان
اقرأ كتابك يا عـبدي على مهل *** وانظر ليه ترى هل كان ما كان

شدة حرها: وأما حر الدنيا فإنه يتقى, فقد مد الله لعباده الظل يقيهم الحر, ورزقهم الماء يرويهم من العطش, وأوجد لهم الهواء والريح الكريمة تلطف وتهون من شدة الفيح.
أما في جهنم فإن هذه الثلاثة تنقلب عذاباً على أهلها فالهواء سموم,والظل يحموم والماء حميم.قال تعالى:{ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ *فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ *لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ } [الواقعة 41-44] وقال سبحانه:{ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ *لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ *إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ *كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} [المرسلات 30-33]. عياذاً بالله من حرها. فشررها قطع ضخمة على قد الحصون والقصور ويشبه الإبل السود في لونه من شدة السواد, أما دخانها فمتشعب إلى ثلاثة وهو يحموم لا ظليل ولا يغني من لهب جهنم الحارق.
فأين صبرك يا عبد الله على هذا؟‍‍‍‍‍ فهلاً نفسك من هذا البأس العظيم والخطر الجسيم؟ فها هو النذير ينذر بهذا الشر العظيم. ويخبر عن جهنم كيف تصنع بالعصاة المجرمين.

يا ويلهم تحرق النيران أعظمــهم *** بالموت شهوتهم من شدة الضجر
وكل يوم لهم في طول مدتهـــم *** نزع شديد من التعذيب بالسعر

ومن شدة حرها تلفح الوجوه فتتركها عظاماً لا لحم فيها, قال تعالى: { لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } [الأنبياء39] ومن شدة حرها تصهر البطون وما في أحشائها من أمعاء قال تعالى:{ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ*يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} [الحج 19]
فاتق الله يا عبد الله. واعلم أن الخطب جسيم, وأن الخطر قريب, فالجنة أقرب إليك من شراك نعلك والنار كذلك, كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فالبدار البدار إلى التوبة. فإن جهنم لا نترحم وإن جحيمها لا يخمد. وما على الرسول إلا البلاغ المبين.


يتبع


زهره بلا عطر 16 - 11 - 2010 8:43 PM

سـعة جـهنم:
سعتها: والضيق في جهنم إحدى وسائل العذاب التي يصبها الله على الكفار والعصاة.. فالضيق يشمل ظواهرهم وبواطنهم, وكيف لا ونفوسهم أصابها من الهم والغم والحسرة مالا يوصف مما هم فيه من العذاب والنكال.. حر وحميم وسموم ويحموم سلاسل وأصفاد وظلمة وسواد.. وقد اجتمعت عليهم ألوان العذاب وأشكاله فنفوسهم ضيقة ضنكة, وفوق ذلك كله تجدهم محشورين في أضيق الأماكن في جهنم تنكيلاً بهم وزياد لهم في الغم والهم قال تعالى:{ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُور} [الفرقان 13] فهم ملقون في أضيق الأماكن,وقد كانوا في الدنيا ينحتون من الجبال القصور فرحين بها, فما أحوجهم يوم القيامة إلى شبر من الأرض يعبدون الله فيه فينجون من ذلك الضيق وذلك العذاب. قال تعالى:{ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} قال أبو عبدة:" أي لفي حبس وضيق شديد" [فتح القدير]. فارحم نفسك يا عبد الله فبل فوات الأوان فأنت تحسب ألف حساب في حيتك حتى لا ترتكب ما يدخلك السجن في الدنيا, وقد تضطر إلى أن تتجاوز عن حقك, مقابل السلامة والحرية والنجاة من ذلك, أفلا يكون احتياطك نم سجن جهنم الرهيب أولى؟ أو قادر أنت على سجينها المظلم الضيف الحميم؟ أو يتحمل جسمك الضعيف أو جلدك اللطيف حر النار ولهيبها وثقل الأغلال وكيها وضيق المكان؟ أخي الكريم:

تنبه قبل الموت إن كنت تعــقل *** فعما قريب للمقابر تحمـــل
وتمسي رهيناً في القبور وتنــثني *** لدى جدث تحت الثرى تتجندل
فريداً وحــيداً في التراب, وإنما *** قرين الفتى في القبر ما كان يعمل

وجهنم مع ما يحصل لأهلها من الضيق, فهي واسعة ضخمة, يدل على ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , إذ سمع وجبة (أي سقطة) فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" تدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفاً, فهو يهوى في النار إلى الآن" [مسلم] وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لو أن حجراً مثل سبع خلفات ألقي من شفير جهنم هوى فيها سبعين خريفاً لا يبلغ قعرها" [صحيح الجامع] ومما يدل على سعة النار وعظمها كثرة الداخلين إليها على ما هم عليه من ضخامة الجسم وعظم الهيئة, وكذلك قذف الشمس والقمر فيها على ضخامة الشمس وسعة القمر, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة" [السلسلة الصحيحة]
ولك أن تتصور أخي الكريم ضخامة جهنم وعظمها, فهي واسعة عظيمة, كبيرة مهولة, ومع ذلك يجد فيها المجرمون من الضيق ولاحبس ما يعضون عليه الأنامل من ندم التفريط في الدنيا, ولك أن تتصور جسرها وكيف أنه يكفي لحمل الخلائق كلهم يوم القيامة, فكيف بجهنم نفسها؟ عن عائشة رضي الله عنها أنها
سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى:{ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } قالت: فأين الناس يومئذ؟قال: على جسر جهنم" [الترمذي وقال حسن صحيح غريب من هذا الوجه وهو صحيح الإسناد] فأين ما جمعوا في الدنيا وهم على جسرها العظيم, ينتظرون نتيجة المصير.

قد نادت الدنيا على نفسها *** لو كان في العالم من يسمع
كم واثق بالــعمر أفنيته *** وجامع بددت ما يجــمع

قال بعض الحكماء:" الدنيا أمثال تضربها الأيام للنام لا يحتاج إلى ترجمان وبحب الدنيا صمت أسماع القلوب عن المواعظ"
ومما يدل –أخي الكريم- على سعة جهنم كثرة الملائكة الذين يأتون بها يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم :" يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام, مع كل زمام سبعون ألف ملك" [مسلم] وقال الله حل وعلا:{ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ } (الفجر 23) وهذا ما يدل على عظمها وأنها تسع الكفار والمجرمين والعصاة. ولك أن تتصور هذا العدد الهائل من الملائكة وهم يأتون يوم القيامة, وكل ملك لا يعلم عظم قوته وضخامته وشكله إلا الله. فو الله إنه لمشهد تنكسر له النفس, يبعث على الرعب والخوف, ويجتث من القلوب حب الدنيا والحرص عليها:

فما هي إلا جيفة مسـتحيلة *** عليها كلاب همهن اجتذابها
فأن تجتنبها كنت سلما لأهلها *** وإن تجتذبها نازعتك كلابها

أخي الكريم: بادر بالتوبة إلى الله من آثامك وابك على خطاياك في إقدامك وإحجامك. وقل:
يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا *** واغفر أيا رب ذنبنا قد جنيناه

ألوان العذاب في جهنم:
أما عذاب جهنم فإنه ألوان وأشكال متعددة. بحسب تنوع دركاتها وإجرام أهلها وما قدموه من السيئات والآثام في الدنيا. قال تعالى:{ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة 81) وهذه الآية نزلت في الكفار خاصة فسيئاتهم تحيط بهم ناراً يوم القيامة كما قال تعالى:{ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} (الأعراف 41) ففراشهم نار ولحافهم نار وقد أحيطوا بالنيران من كل مكان وكبلوا بالسلاسل والأغلال وسقوا ماء فقطع أمعاءهم فاللهم رحمتك نرجو وبك نستعيذ من هذا الخزي وهذا النكال
أخي الكريم: واعلم أن الله جل وعلا لا يظلم مثقال ذرة, لذلك فالمعذبون يختلفون يوم القيامة في العذاب كل بحسب ذنبه وزلته. قال صلى الله عليه وسلم :" إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه, ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه, ومنهم من تأخذه إلى حجزته, ومنهم من تأخذه إلى ترقوته" وفي رواية إلى "عنقه" [مسلم]. وقد تقدم أن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منها دماغه" [مسلم]
أخي: لا تحقر ذنباً مهما صغر فلربما كان مصرعك في احتقاره ولازم وقار الله فإنه التقى:

خل الذنوب صغيـــــرها *** وكبيـرها فهو التـــــقى
واصنع كمـــــاش فوق أر *** ض الشـــوك يحذر ما يرى
لا تحـــقرن صغيــــرة *** إن الجبــال من الحــصى

ومن عذاب جهنم صب الحميم فوق رؤوس أهلها قال تعالى:{ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ*يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} وحينما يصب فوقهم ذلك الحميم الشديد الحرارة, تنقطع جلودهم وتذوب, وتتمزق أحشاء بطونهم وتصهر, فلا صبر ولا هروب, ولا مخرج ولا نجاة, ولا موت ولا هلاك, و‘نما يحيون بعد ذوبانهم فيعادون للعذاب الشديد, قال صلى الله عليه وسلم :" إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما جوفه, حتى يمرق من قديمه, وهو الصهر, ثم يعود كما كان" [الترمذي وقال حسن غريب صحيح، انظر جامع الأصول] ومن أهل النار من تأكله النار إلى فؤاده. قال تعالى:{ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ *نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ }(الهمزة 4-7) كان ثابت البناني يقول:" تحرقهم النار إلى الأفئدة وهم أحياء, لقد بلغ منهم العذاب, ثم يبكي" [التخويف من النار] ومنهم من تندلق أمعاءه فيطحن فيها, وذلك الذي يعظ بما لا يتعظ وينصح الناس وينسى نفسه. فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" يجاء بالرجل يوم القيامة, فيلقى في النار, فتندلق أقتابه في النار, فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه, فيجتمع أهل النار عليه, فيقولون: أي فلان, ما شأنك, أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه, وأنهاكم عن المنكر وآتيه" [البخاري ومسلم] ومن أهل النار من تلفح النار وجهه, فيلقى فيها كما تلقى السمكة في الزيت الحار, قال تعالى:{ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُون }(المؤمنون 104) وقال سبحانه:{ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ }(إبراهيم 50) ولك أن تتصور أخي الكريم: حال وجوههم ولقد ذهب لحمها وبقي عظمها, فيالها من بشاعة, ويا له من ألم ومهانة, تتقلب وجوههم في النار وهم ينادون فلا يسمعون ويصرخون ولا يرحمون, ويطلبون الموت فل يجابون, وحينما تذوب جلودهم بالنار, يبدلهم الله جلوداً غيرها. لأنها مركز إحساسهم بالألم, وهذا فيه آية وإعجاز لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد, فقد ثبت في الطب الحديث أن الجلد مركز الإحساس بالألم وغيره, وقد ذكر الله جل وعلا أن أهل الجحيم حينما تذوب جلودهم وتحترق يخلق لهم جلودا,ً أخرى ليحسوا بالعذاب من جديد, قال تعالىإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيم} (النساء 56)

وتصور أخي الحبيب: أن الكافر يوم القيامة يقسم بالله أن لم ير خيراً قط, بمجرد ما تلفحه النار لفحة واحدة, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة, ثم يقال: يا ابن آدم, هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول لا والله يا رب" [مسلم] فاستعن بالله يا عبد الله, فإنما الدنيا إلى زوال, وإن نعيمها كالخيال وإنما هي دار ابتلاء وامتحان, واحذر مداخل الشيطان والزم التقى واحذر النفس والهوى فإن هذه الأربعة أسباب التعاسة في الدنيا, والعذاب في الآخرة. قال تعالى:{ فَأَمَّا مَنْ طَغَى*وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَ* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(النازعات 37-41)


إني بليت بأربع يرميـــــنني *** بالنبل قد نصبوا علي شـراكا
إبليس والدنيا والنفـس والهوى *** من أين أرجو بينهن فكاكا
يا رب ساعدني بعــــفو إنني *** أصبحت لا أرجو لهن سواكا

يتبع


زهره بلا عطر 16 - 11 - 2010 8:44 PM

طعام أهل النار وشرابهم:
طعامهم:أهل النار يصيبهم الجوع والعطش, فيطعمهم الله طعاماً يزيدهم عذاباً على عذاب, مما يجدونه من الألم والحر في بطونهم بعد أكله فلا هم يذهبون حرارة الجوع بذلك الطعام, ولا هم يهنؤون, قال تعالى:{ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ*لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} (الغاشية 6-7) والضريع نوع من الشوك المر النتن, لا ينفع آكله ولا يشبعه ويعرف عند الحجازيين بالشربق. قال قتادة:
"من أضرع الطعام وأشبعه" [التخويف من النار] وكل طعام يأكله أهل النار يجمع عليهم مرارة الطعام وغصته كما قال تعالى:{ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيم*)وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيم} (المزمل 12-13) والغصة هي التي يعلق بها الطعام في الحلق فلا يسهل عليه دخوله إلى الجوف ولا يسهل خروجه عنه للتخلص منه.
ومن طعام أهل النار صديد الأبدان والقيح, فمن شدة جوعهم وفقدهم للطعام يلتفتون إلى صديدهم فيطعمون منه ولا يستسيغونه. قال تعالى:{ وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ}(الحاقة 36) والغسلين و الصديد. وهو أنواع وألوان قال تعالى:{ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ*وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ}(ص 57-58)
فتأمل أخي –حفظك الله- في هذا المشهد المشين, الذي تتقزز النفس من سماعه, فضلاً عن رؤيته وانظر إلى هؤلاء البؤساء في مشهدهم هذا وهم يلعقون الضريع والقيح والغسلين, وألوان العذاب فوق رؤوسهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم.. إنها الخزي والندامة والحسرة والخسارة.

فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى *** صريع الأماني عن قريب ستندم
أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده *** سوى جنة أو حر نار تضرم

ويا قبح طعم ما يأكلون, لا تستسيغه أذواقهم, ولا تقبله ألسنتهم, ومن شدة ما هم فيه من آلم الجوع ومرارة الطعم, يتمنون الموت فلا يموتون، بل يزدادون عذاباً فوق عذاب قال تعالى:{ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ*يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} (إبراهيم 16-17) أما فاكهتهم فإنها من شجرة الزقوم. وإنها لشجرة شنيعة المنظر فظيعة المظهر مرة المذاق, قال تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ *فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ *ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ*ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ }(الصافات 65-68) فأي نكال بعد هذا النكال, واسمع إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصف تلك الشجرة:"لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا, لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم, فكيف بمن تكون طعامه" [صحيح الجامع الصغير]

شرابهم: أما شراب أهل النار فإنه الحميم الشديد الحرارة, يشربونه من شدة العطش وهم يعملون حرارته وحميمه فيقطع أمعاءهم وأحشاءهم. قال تعالى:
{ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَق} (الكهف 28-29) وقال تعالى:{ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} (محمد 15) وقال تعالى:{أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} (الأنعام 70) فاللهم عفوك ورحمتك, فما أشقى هذه الحياة, وما أتعس أهلها. فراشهم من نار ولحافهم من نار وفاكهتهم من نار وطعمهم من نار, وشرابهم الحميم وظلهم اليحموم.. ولا غياث ولا كريم كلما استغاثوا لأجيبوا:
{قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } فيا من تعصى الله تصور نفسك وأنت في هذه الحال, وقد رميت لهذا المآل وقذف بك في جهنم, أتراك تفديك أموالك, أم تراك ينجيك جاهك وأولادك, فتب إلى الله, فقد أوشك الفول وقرب الحساب.
فما هي إلا ساعة وسوف تنقضي *** ويدرك غب السير من هو صابر
واعلم أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ويفرح بتوبة عبده ويفرحه بها, ويجزيه عليها خير الجزاء وقل يا رب:

أسأت ولم أحسن وجئتك تائــباً *** وأني لعـبد عن مواليه يهرب
يؤمل غفراناً فإن خـــاب ظنه *** فما أحد منه على الأرض أخيب

قال تعالى:{ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً } (الطلاق 5) فيا عبد الله استعن بالله ولا تعجز, وسر على درب قافلة النجاة, استمسك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , والصحابة من بعده ولازم التوبة والاستغفار فإنها حلية الصالحين ومنار الأنبياء والمرسلين قال تعالى مخاطباً عباده المؤمنين:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور 31) وتأمل كيف علق فلاحهم –وهم المؤمنون- على التوبة ليعلم كل مؤمن أن الخير في ملازمته لهذه العبادة الجليلة:

أستغفر الله مما يعلــــم الله *** إن الشــقي لمن يحرم الله
ما أحلم الله عمن لا يراقــبه *** كل مسـيء ولكن يحلم الله
فاستغفر الله مما كان من زلل *** طوبى لمن كف عما يكره الله
طوبى لمن حسنت منه سريرته *** طوبى لمن ينتهي عما نهى الله

خزنتها وهيئة أهلها:
خزنتها: قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون }(التحريم6) فخزنة جهنم موصوفون بالغلظة والشدة لما لمناسبة هاتين الصفتين لمكان العذاب, فهم غلاظ على الكفار شداد عليهم, فلا يغلبون ولا يقهرون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون, وقد ذكر الله جل وعلا عدتهم فتنة للمنافقين والكفار فقال سبحانه:{ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ* لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ* لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَر* عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} (المدثر26-30) وقد افتتن المنافقون بذلك فظنوا أنهم قادرون على هذا العدد القليل, فأعقب الله جل وعلا الآية بقوله:{وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُو} (المدثر31)

فيها غلاظ شداد من ملائكة *** قلوبهم شدة أقوى من الحجر

هيئه أهل النار: وأما هيئة أهل النار فإنها عظيمة هائلة, جسد الواحد منهم مثل عدد من جبال الدنيا الكبيرة العالية, ولا تسل عن ضروسهم ورؤوسهم وجلودهم فهي من العظمة ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه, وما ذاك إلا ليذوقوا العذاب في أعلى صوره وأنكى شدائده, فإنه كلما تضخم جسمهم كلما قوي العذاب في جنباتهم, فعظم أجسادهم نوع من العذاب قال صلى الله عليه وسلم :" ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع" [مسلم] وقال صلى الله عليه وسلم :" ضرس الكافر, أو ناب الكافر, مثل أحد, وغلظ جلده مسيرة ثلاث" [مسلم] فتأمل يا عبد الله.. في قدرة الله وحكمته, كيف ضخم أجسام الكفار نكاية بهم وزيادة لهم في الشقاء والعذاب وتصور إذا كان ضرس الكافر مثل جبل أحد فكيف سيكون شكله وهيئته وجسمه, إن العقل يعجز عن تصور هذا الشكل الرهيب العظيم. إنما عظم الله أجسامهم لأنها وقود النار بها تتسعر وتتقد, نسأل الله السلامة والعافية. قال صلى الله عليه وسلم :
" ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد وعرض جلده سبعون ذراعاً, وعضده مثل البيضاء, وفخذه مثل ورقان, ومقعده من النار ما بيني وبين الربذه" [السلسلة الصحيحة] فلك أن تقارن –أخي الكريم- بين هيئة أهل الجنة وما هم فيه من النعيم وهم شباب لا يهرمون يتنعمون ولا يبأسون.. وبين هيئة أهل النار وكيف أنها وبال عليهم وحسرة وزيادة في النكال.

أتأمن بالنفس النفيسة ربهـــا *** وليس لها في الخلق كلهم ثمــن
بها تملك الأخرى فإن أنا بعتـها *** بشيء من الدنيا فذاك هو الغــبن
لأن ذهبت نفسي بدنيا أصيبـها *** لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن

لباس أهل النار: وكما في النار طعام وشراب وفراش ففيها أيضاً اللباس, وليس اللباس لوقايتهم من الحر وإنما هو زيادة في العذاب وتنوع في النكال. قال تعالى: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ } فهي ثياب من نار. كان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول:*سبحان من خلق من النار ثياباً* [التخويف من النار] فهي لباس مقطعة تزيد لابسها عذاباً ونكالاً وألماً. قال تعالى:{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ* سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} (إبراهيم: 49,50) والقطران هو النحاس المذاب. فالبس أخي لباس التقوى يقيك من حر يوم القيامة وينافح عنك وينافح عنك لهيب جهنم, فإنه أسلم لك وأجدى وأنفع من لباس الإجرام والفسوق والمعاصي إذ هو مذلة الدنيا, حسرة يوم القيامة, فانظر كيف ألبسهم الله يوم القيامة ثياباً مقطعة حامية, لما لبسوا في الدنيا لباس الكبائر والفواحش والفجور, قال تعالى:{ لِبَاساً يُوَارِي سَوءاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى} (لأعراف:26) وممن يلبسون تلك الثياب النائحات. قال صلى الله عليه وسلم :" النائحة إذا لم تتب قبل موتها, تقام يوم القيامة, وعليها سربال من قطران ودرع من جرب " [مسلم] .
وأهل النار يعذبون ظاهراً وباطناً فهم مع عذابهم الجسدي, يتعذبون بالحسرة والندامة على كفرهم وأعمالهم. قال تعالى:{ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} (يونس:54) وتزداد ندامتهم إذ يتبرأ منهم الشيطان الذي أغواهم. قال تعالى:{ فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (إبراهيم:22) .
بل يصرخون بندامتهم واعترافهم بذنبهم وقلة عقلهم, قال تعالى:{ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} (الملك:11) ويتمنون لو أن كانوا تراباً من شدة ندمهم. قال تعالى:{ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاب} (النبأ:40) وتارة يلوم بعضهم بعضاً. قال تعالى:{ هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّار* قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ*قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ} (صّ:59-61)
ويزدادون حسرة إذ يلومهم المؤمنون ويوبخونهم:{ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ*الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ} (لأعراف:50-51)
وتكتمل حسرتهم إذ يوبخهم الملائكة. قال تعالى:{ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ *لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (الزخرف:77-78) .
فتذكر أخي الكريم هذه المشاهد المرعبة.... واعمل لنفسك أن تنجو من عذاب الله فإن عذاب الله شديد, وإن انتقامه عزيز. ولا حول ولا قوة إلا الله.

يتبع



الساعة الآن 2:19 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO