منتديات هاى حب

منتديات هاى حب (https://forums.hi7ob.com/)
-   الانبياء والرسول (https://forums.hi7ob.com/forums7ob63.html)
-   -   سيرة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام (https://forums.hi7ob.com/love8713.html)

دمعه حزن 26 - 7 - 2010 4:14 PM

بعد وفاة زوجته خديجة

في الشهر الذي توفي فيه أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم توفيت أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك قبل الهجرة إلى المدينة المنورة بثلاث سنين وقد حزن عليها حزناً شديداً لأنها كانت من أكبر أعوانه وأرق الناس له ، ولم يتزوج عليها غيرها حتى توفاها الله تعالى إلى رحمته، وكان كثيراً ما يذكرها بعد وفاتها ويترحم عليها.

وقد جاء منها بأولاده كلهم (ما عدا إبراهيم)،
فأولهم القاسم، وقد توفي وهو صغير، وقيل أنه عاش حتى ركب الدواب.
وبه كان يكنى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتليه زينب، التي تزوجت قبل البعثة بالعاص بن الربيع، وأعقب منها أمامة التي تزوجها سيدنا على بن أبي طالب بعد وفاة السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
ثم رقية، التي تزوجها سيدنا عثمان بن عفان قبل هجرته إلى الحبشة وهاجر بها،
ثم تزوج بعد وفاتها بأختها السيدة أم كلثوم بالمدينة.
ثم أم كلثوم،
ثم فاطمة، و قد تزوجها سيدنا على بن أبي طالب وولدت منه سيدنا الحسن وسيدنا الحسين رضى الله عنهما.
ثم عبد الله (الملقب بالطيب وبالطاهر)، وقد توفي صغيراً وكانت ولادته بعد البعثة.

ولم يعش بعد الرسول صلى الله عليه وسلم من أولاده إلا السيدة فاطمة فإنها عاشت بعده ستة أشهر.

وبعد وفاة السيدة خديجة تزوج صلى الله عليه وسلم بالسيدة سودة بنت زمعة العامرية القرشية في السنة العاشرة من البعثة وقد كانت من السابقين إلى الايمان وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة في المرة الثانية ، وعقب رجوعه منها توفي عنها فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي وهبت يومها لعائشة. ثم تزوج بالسيدة عائشة بنت سيدنا أبي بكر الصديق رضى الله عنهما، وهي بكر صغير بين السادسة والسابعة من عمرها ، وبني بها وهي بنت تسع سنين، وكانت أحب نسائه إليه ، ) وكانت أفقه نساء الأمة وأعلمهن على الإطلاق ، وكان أكابر الصحابة يرجعون إلى قولها ويستفتونها ، وما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في فراش امرأة غيرها. ثم تزوج بالسيدة حفصة بنت سيدنا عمر بن الخطاب ، ثم تزوج بالسيدة زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية وتوفيت بعد بنائه بها بشهرين ، ثم تزوج بالسيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية. ثم تزوج بالسيدة زينب بنت جحش من بني أسد بن خزيمة، وهي ابنة عمته أميمة. ثم تزوج بالسيدة جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وكانت من سبايا بني المصطلق فتزوجها صلى الله عليه وسلم بعد أن أعتقها ليقتدي به المسلمون، فأعتقوا من كان بأيديهم من نساء بني المصطلق إكراماً لمصاهرة رسول الله صلى عليه وسلم لهم، فأسلم بنو المصطلق جميعا فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها. ثم تزوج بالسيدة أم حبيبة، وتسمى هند أو رملة، بنت أبي سفيان صخر بن حرب القرشي الأموي، ثم تزوج بالسيدة صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير، ثم بالسيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية وهي آخر من تزوج بهن، وكانت قبله صلى الله عليه وسلم تحت عمه سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وهي خالة عبد الله بن عباس، وقد تزوجها بمكة في عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة ولم يدخل بها إلا بعد أن تحلل من عمرته..

وقد توفي صلى الله عليه وسلم عن تسع من نسائه: عائشة و حفصة و زينب بنت جحش وأم سلمة وصفية وأم حبيبة وميمونة وسودة وجويرية
(وأول من توفي بعده منهن زينب بنت جحش وآخرهن أم سلمة).

وقد تسرى صلى الله عليه وسلم بأربع إماء: منهن مارية القبطية وهي أم ولده (إبراهيم) الذي توفي طفلاً قبل الفطام، وكانت وفاته في السنة العاشرة من الهجرة. وكان أعمامه صلى الله عليه وسلم أحد عشر، لم يُسلم منهم سوى سيدنا حمزة وسيدنا العباس وهو أصغرهم، ولم يكن منهم شقيق لوالد رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى أبي طالب والزبير. وعماته ست ، لم يُسلم منهن سوى السيدة صفية والدة سيدنا الزبير بن العوام. وكان له صلى الله عليه وسلم موال كثيرون ذكور وإناث ، أعتق أكثرهم، منهم: زيد بن حارثة أعتقه وزوّجه مولاته أم أيمن فولدت سيدنا أسامة بن زيد. وقد تشرف بخدمته صلى الله عليه وسلم كثيرون، منهم أنس بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وبلال بن رباح، وأبو ذر الغفاري. وكان من كتابـه صلى الله عليه وسلم سادتنا: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والزبير بن العوام ، وعمرو بن العاص ، وكثير غيرهم كانوا يكتبون الوحي والعهود وكتبه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء

دمعه حزن 26 - 7 - 2010 4:14 PM

بيعة العقبة الاولى


لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كفار قريش لا ينفكون عن مقاومته ومعارضته في تأدية رسالة ربه ، ألهمه الله تعالى أن يعرض نفسه على غيرهم من كبار العرب؛ عسى أن يجد منهم حماية وعضداً يعينه على تأدية الرسالة وتبليغ الدعوة ، فكان صلى الله عليه وسلم يخرج في مواسم العرب وأسواقهم التي كانوا يقصدونها للتجارة والمفاخرة –وخصوصاً مواسم الحج- داعياً لهم إلى الله تعالى ، قارئاً عليهم القرآن الكريم ، طالباً منهم نصره حتى يؤدى رسالة ربه ، فلم يكونوا يجيبونه.

إلى أن قدم وفد من يثرب (المدينة المنورة، واسمها أيضاً طيبة) من قبيلة (الأوس) يريدون أن يعقدوا حلفا مع قريش لينصروهم على بني عمهم (الخزرج)، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بقدومهم قابلهم وقال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له؟ أنا رسول الله بعثنى الله إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً.
وتلا عليهم شيئاً من القرآن ، وذكر لهم أمور الإسلام ، فمال بعضهم إلى قبول الإسلام وأبي الآخرون، فانصرف الجميع إلى المدينة دون أن يسلموا.
ثم وفد في موسم الحج جماعة من الخزرج، فقابلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام وإلى معاونته في تبليغ رسالة ربه، وكانوا ستة رجال فأسلموا جميعاً ، ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل ،
وهم أول من أسلم من عرب المدينة،

وهم

أسعد بن زرارة،
وعوف بن الحارث،
ورافع بن مالك،
وقطبة بن عامر،
وعقبة بن عامر،
وجابر بن عبد الله.

فلما كان العام المقبل قدم خمسة منهم في اثنتي عشر رجلاً من الخزرج واثنان من الأوس، واجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة، وأسلم باقيهم، وبايعوا كلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ولا يعصونه في معروف ، وأرسل معهم من يقرؤهم القرآن ويفقههم في الدين.

وبذلك انتشر الإسلام في دور المدينة، وصار حديث القوم في مجتمعاتهم ونواديهم، وقد سميت هذه البيعة (بيعة العقبة الأولى).




بيعة العقبة الثانية


في موسم الحج في العام الذي يلي بيعة العقبة الأولى؛ وفد إلى مكة كثيرون من أهل المدينة ، فقابلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووعدهم المقابلة ليلاً عند العقبة ، وأمرهم أن يكتموا أمرهم فلا يطلع على ذلك أحد من كفار قريش ، فتوجهوا إلى موعدهم في منتصف الليل كاتمين أمرهم عمن معهم من المشركين (وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس، وكان باقياً على دين قومه، وإنما أحضره معه ليتوثق له) ، فلما اجتمعوا قال لهم العباس: إن ابن أخى هذا لم يزل في منعة من قومه ، فإن كنتم ترون أنكم قوامون له بما دعوتموه إليه من البيعة ، وما نعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإلا فدعوه بين عشيرته ، فقال كبيرهم: إنما نريد الوفاء والصدق وبذل مهجنا دون رسول الله.

وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم شروط البيعة ، فقال : أشترط لربى أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً ، ولنفسي أن تمنعونى مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم متى قدمت عليكم.
فبايعوه على ذلك، وكانوا ثلاثاً وسبعين رجلاً، منهم اثنان وستون من الخزرج ، وأحد عشر من الأوس ومعهم امرأتان وسميت هذه البيعة (بيعة العقبة الثانية).

واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم اثني عشر نقيباً: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقال لهؤلاء النقباء: أنتم كفلاء على قومكم ؛ كل على عشيرته ، فلما رجعوا إلى المدينة ظهر الإسلام بها أكثر من المرة الأولى.

وقد شعرت قريش بهذه البيعة فازداد أذاهم للمسلمين الموجودين بمكة ، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم بالهجرة إلى المدينة، فصاروا يتسللون إليها وحدانا وجماعات، مختفين عن أعين قريش ، حتى إنه لم يبق بمكة إلا أبو بكر الصديق وعلى بن أبي طالب وقليلون ممن لم يقدروا على الهجرة، وقد أراد أبو بكر رضى الله عنه الهجرة فأشار عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالانتظار حتى يأذن الله تعالى له صلى الله عليه وسلم بالهجرة ، فانتظر أبو بكر رضى الله عنه، وأعد لذلك راحلتين كانتا عنده: إحداهما له والأخرى لرسول الله صلى عليه وسلم
.

دمعه حزن 26 - 7 - 2010 4:15 PM

قصة الاسراء والمعراج


قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة بقليل؛ أكرمه الله تعالى بالإسراء والمعراج. أما الإسراء فهو توجهه صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام الذي فيه الكعبة المشرفة إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس (بالشام)، ليريه الله سبحانه وتعالى من عجائب آياته ما يناسب قدره العظيم.

فقد ركب صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى البراق ، وهو دابة ليست كدوابنا هذه، وإنما هي شيء سخره الله تعالى لرسوله إكراماً وتعظيماً ، يضع ذلك البراق حافره عند منتهي طرفه، فسار به من المسجد الحرام بمكة حتى وصل إلى بيت المقدس في ليلته ، فدخل المسجد وصلى فيه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام إماماً.

وأما المعراج فهو بعد أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس ركب البراق وصعد به إلى السموات، فكان كلما وصل إلى سماء يستفتح جبريل فيقال: من أنت؟ ومن معك؟ فيقول: جبريل ومحمد، فيقال: أو قد بُعث إليه؟ فيقول: نعم، فيفتح لهما مع الترحيب والدعاء بالخير، حتى انتهيا من السماء السابعة، وبعدها توجه صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهي، وهناك شاهد ما لا تدرك العقول البشرية حقيقته، وأوحى الله تعالى إلى نبيه ما أوحى، وفرض سبحانه عليه وعلى أمته في ذلك الوقت خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ونزل صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلى السماء السادسة، ولقي فيها سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام فأخبره بما فرض الله عليه وعلى أمته، فأشار عليه أن يرجع فيسأل ربه التخفيف، فإن أمته لا تطيق ذلك.

فلم يزل يرجع بين ربه عز وجل وبين موسى عليه السلام حتى جعل الله تعالى الصلوات المفروضة خمساً في الفعل وخمسين في الأجر.

ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى مكة من ليلته، فلما أصبح ذهب إلى نادى قريش فأخبر القوم بما رآه، فكذَّب من كذَّب وارتد بعض ضعاف القلوب عن الإسلام، ثم امتحنوه بوصف بيت المقدس فوصفه كما هو، ثم سألوه عن عير (قافلة تجارة) لهم في الطريق فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها ووقت قدومها، فكان كما قال، ومع ذلك لم تردعهم تلك الأدلة الظاهرة عن عنادهم وكفرهم؛ إلا من وفقه الله تعالى وثبته على دين الإسلام.

وفي صبيحة ليلة الإسراء جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأراه كيفية الصلوات الخمس وأوقاتها، وكانت الصلاة قبل ذلك ركعتين صباحاً وركعتين مساء كصلاة سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم.



هجرة الرسول مع سيدنا ابو بكر رضي الله عنهم

لما علم كفار قريش أن رسول الله صلى عليه وسلم صارت له شيعة وأنصار من غيرهم، ورأوا مهاجرة أصحابه إلى أولئك الأنصار الذين بايعوه على المدافعة عنه حتى الموت، اجتمع رؤساؤهم وكبارهم في دار الندوة، وهي دار بناها قصي بن كلاب، كانوا يجتمعون فيها عند ما ينزل بهم حادث مهم، اجتمعوا ليتشاوروا فيما يصنعون بالنبي صلى الله عليه وسلم.

فقال قائل منهم: نحبسه مكبلا بالحديد حتى يموت، وقال آخر: نخرجه وننفيه من بلادنا، فقال أحد كبرائهم: ما هذا ولا ذاك برأي؛ لأنه إن حُبس ظهر خبره فيأتي أصحابه وينتزعونه من بين أيديكم، وإن نُفي لم تأمنوا أن يتغلب على من يحل بحيهم من العرب؛ بحسن حديثه وحلاوة منطقه حتى يتبعوه فيسير بهم إليكم، فقال الطاغية أبو جهل: الرأي أن نختار من كل قبيلة فتى جلداً ثم يضربه أولئك الفتيان ضربة رجل واحد؛ فيتفرق دمه في القبائل جميعاً؛ فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب جميع القبائل.

فأعجبهم هذا الرأي واتفقوا جميعاً وعينوا الفتيان والليلة التي أرادوا تنفيذ هذا الأمر في سَحَرها، فأعلم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بما أجمع عليه أعداؤه، وأذنه سبحانه وتعالى بالهجرة إلى يثرب (المدينة المنورة)، فذهب إلى أبي بكر الصديق رضى الله عنه وأخبره وأذن له أن يصحبه، واتفقا على إعداد الراحلتين اللتين هيأهما أبو بكر الصديق لذلك، واختارا دليلا يسلك بهما أقرب الطرق، وتواعدا على أن يبتدئا السير في الليلة التي اتفقت قريش عليها.

وفي تلك الليلة أمر عليه الصلاة والسلام ابن عمه على ابن أبي طالب أن ينام في مكانه ويتغطى بغطائه حتى لا يشعر أحد بمبارحته بيته.

ثم خرج صلى الله عليه وسلم، وفتيان قريش متجمهرون على باب بيته وهو يتلو سورة (يس)، فلم يكد يصل إليهم حتى بلغ قوله تعالى: ( فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ )، فجعل يكررها حتى ألقى الله تعالى عليهم النوم وعميت أبصارهم فلم يبصروه ولم يشعروا به، وتوجه إلى دار أبي بكر وخرجا معاً من خوخة في ظهر البيت، وتوجها إلى جبل ثور بأسفل مكة فدخلا في غاره.

وأصبحت فتيان قريش تنتظر خروجه صلى الله عليه وسلم، فلما تبين لقريش أن فتيانهم إنما باتوا يحرسون على بن أبي طالب لا محمداً صلى الله عليه وسلم هاجت عواطفهم، وارتبكوا في أمرهم، ثم أرسلوا رسلهم في طلبه والبحث عنه من جميع الجهات، وجعلوا لمن يأتيهم به مائة ناقة، فذهبت رسلهم تقتفي أثره، وقد وصل بعضهم إلى ذلك الغار الصغير الذي لو التفت فيه قليلا لرأى من فيه.

فحزن أبو بكر الصديق رضى الله عنه لظنه أنهم قد أدركوهما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لاَتَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا)، فصرف الله تعالى أبصار هؤلاء القوم وبصائرهم حتى لم يلتفت إلى داخل ذلك الغار أحد منهم، بل جزم طاغيتهم أمية بن خلف بأنه لا يمكن اختفاؤهما به لِمَا رأوه من نسج العنكبوت وتعشيش الحمام على بابه.

وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بالغار ثلاث ليال حتى ينقطع طلب القوم عنهما، وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ثم يصبح في القوم ويستمع منهم الأخبار عن رسول الله وصاحبه فيأتيهما كل ليلة بما سمع، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام في كل ليلة من هذه الليالي، وقد أمر عبد الله بن أبي بكر غلامه بأن يرعى الغنم ويأتي بها إلى ذلك الغار ليختفي أثره وأثر أسماء.

وفي صبيحة الليلة الثالثة من مبيت رسول الله عليه وسلم وصاحبه بالغار، وهي صبيحة يوم الاثنين في الأسبوع الأول من ربيع الأول سنة الهجرة (وهي سنة ثلاث وخمسين من مولده صلى الله عليه وسلم، وسنة ثلاث عشرة من البعثة المحمدية) جاءهما بالراحلتين عامر بن فهيرة مولى أبي بكر؛ وعبد الله بن أريقط الذي استأجراه ليدلهما على الطريق، فركبا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة ليخدمهما، وسلك بهما الدليل أسفل مكة، ثم مضى بهما في طريق الساحل.

وبينما هم في الطريق إذ لحقهم سراقة بن مالك المدلجى؛ لأنه سمع في أحد مجالس قريش قائلا يقول: إني رأيت أسودة بالساحل أظنها محمدا وأصحابه.

فلما قرب منهم عثرت فرسه حتى سقط عنها، ثم ركبها وسار حتى سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لايلتفت وأبوبكر يكثر الالتفات، فساخت قوائم فرس سراقة في الأرض فسقط عنها، ولم تنهض إلا بعد أن استغاث صاحبها بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد شاهد غباراً يتصاعد كالدخان من آثار خروج قوائم فرسه من الأرض، فداخله رعب شديد ونادى بطلب الأمان، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه حتى جاءهم وعرض عليهم الزاد والمتاع فلم يقبلا منه شيئاً؛ وإنما قالا له: اكتم عنا، فسألهم كتاب أمن؛ فكتب له أبو بكر ما طلب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاد سراقة من حيث أتى كاتما ما رأى، وقد أخبر أبا جهل فيما بعد، وقد أسلم سراقة يوم فتح مكة وحسن إسلامه.

واستمر رسول الله وصاحبه في طريقهما حتى وصلا قُباء، من ضواحي المدينة، في يوم الاثنين من ربيع الأول، فنزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني عمرو بن عوف ونزل أبو بكر رضى الله عنه بالسُّنْح (محلة بالمدينة أيضا) على خارجة بن زيد، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء ليالى؛ أنشأ فيها مسجداً، هو الموصوف في القرآن الكريم بأنه أسس على التقوى من أول يوم، وصلى فيه عليه الصلاة والسلام بمن معه من المهاجرين والأنصار، وقد أدركه صلى الله عليه وسلم بقباء على بن أبي طالب رضى الله عنه بعد أن أقام بمكة بعده بضعة أيام ليؤدى ما كان عنده من الودائع إلى أربابها.

دمعه حزن 26 - 7 - 2010 4:15 PM

الهجرة الى المدينة

وقد كان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يخرجون خارج المدينة يترقبون مقدمه كل يوم حتى يردهم حر الظهيرة، فبعد أن رجعوا إلى منازلهم يوما سمعوا من ينادى بأعلى صوته: يا معشر العرب؛ هذا حظكم الذي تنتظرون، فخرجوا وتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة (هي الأرض ذات الحجارة السوداء) قبل نزوله بقباء.

ثم تحول عليه الصلاة والسلام من قباء إلى المدينة، يحيط به الأنصار فرحين متقلدي سيوفهم ما بين ماش وراكب، يتنازعون زمام ناقته كل يريد أن ينزل في داره والنساء والصبيان والولائد ينشدن:

طلع البدر علينـا من ثنيـات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعــا لله داع
أيها المبعوث فينـا جئت بالأمر المطاع

وكان ذلك في يوم الجمعة، فأدركته صلاتها في ديار بني سالم بن عوف، فنزل وصلاها، وهي أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث شرعت في هذا التاريخ على أشهر الروايات.

ثم ركب وسار، وكلما مرّ على دار من دور الأنصار يتضرع إليه أهلها أن ينزل عليهم، ويأخذون بزمام ناقته، فيقول: دعوها فإنها مأمورة.

ولم تزل سائرة حتى أتت فناء بني عدى بن النجار أخواله صلى الله عليه وسلم، فبركت أمام دار أبي أيوب الانصارى، فقال عليه الصلاة والسلام: هاهنا المنزل إن شاء الله تعالى، ونزل بدار أبي أيوب.

وأقام بها أشهراً حتى اشترى الموضع الذي بركت فيه الناقة، وبني فيه المسجد، وقد بني المسجد باللبن مرتفعاً عن القامة قليلا، وجعلت عضادتا الباب من الحجارة، وسقف بالجريد، وجعلت عمده من جذوع النخل، وكان يعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه تشجيعاً للعاملين.

وبني بجواره حجرتين لزوجتيه عائشة و سودة، ولم يكن له من الزوجات إذ ذاك غيرهما، وصارت الحجرات تبني حول المسجد كلما جاءت زوجة، وأرسل من استحضر له أهله؛ كما أرسل أبو بكر رضى الله عنه من استحضر أهله، فقدمت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة وأم كلثوم بنتاه، أما زينب ابنته صلى الله عليه وسلم فمنعها زوجها أبو العاص بن الربيع ، وقدم عبد الله بن أبي بكر بزوجة أبيه وأختيه عائشة وأسماء زوج الزبير بن العوام، وكانت حاملا بابنها عبد الله وهو أول مولود ولد للمهاجرين بالمدينة.

وتلاحق المهاجرون فلم يبق من المسلمين إلا قليل ممن لم يتيسر لهم الرحيل.

ولما تمت الهجرة إلى المدينة تنافس الأنصار في المهاجرين؛ كل يريد أن يكون له منهم الحظ الأوفر، فكانوا يقترعون عليهم في النزول، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوى الإخاء بينهم؛ فآخى بين كل أنصاري ونزيله من المهاجرين، فكان الأنصار يؤثرون المهاجرين على أنفسهم، وذلك أعلى درجة تقتضيها الأخوة في الله تعالى

دمعه حزن 26 - 7 - 2010 4:15 PM

ملخص عن غزواته

في السنة الأولى من الهجرة بعث سريتين.


وفي السنة الثانية غزا بنفسه سبع غزوات وبعث سرية واحدة، وأكبر غزواتها غزوة بدر:

1-->> غزوة (ودان) وهي قرية بين مكة والمدينة، وكان خروجه لها ليعترض عيراً لقريش فوجدها قد سبقته فرجع.
2-->> وغزوة (بواط) وهو جبل جهينة بين المدينة وينبع، وكان خروجه فيها ليعترض عبر قريش فوجدها قد سبقته فرجع.
3-->> وغزوة (العشيرة) وهي موضع من بطن ينبع وسنأتي على ذكرها في الأصل عند الكلام على غزوة بدر الكبرى.
4-->> وغزوة (بدر الأولى). (بدر) موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب في الجنوب الغربي منها، خرج فيها لتعقب من أغار على سرح المدينة فلم يجده.
5-->> وغزوة (بدر الكبرى) وسنشرحها في الأصل.
6-->> وغزوة بني (قينقاع) وهم حي من اليهود حول المدينة نبذوا عهد المسلمين وخانوهم، فخرج إليهم وحاصرهم خمس عشرة ليلة، حتى طلبوا منه أن يخرجوا من ديارهم بالنساء والأولاد ويتركوا للمسلمين الأموال، فقبل منهم ذلك وأجلاهم.
7-->> وغزوة (السويق) التي خرج فيها أبو سفيان في مائتين إلى المدينة وأحرق بعض نخلها، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ففروا تاركين ما كانوا يحملون من أجربة السويق (ولذلك سميت غزوة السويق).


وفي السنة الثالثة غزا أربع غزوات وبعث سرية واحدة،
وأهم غزواتها غزوة (أحد):

1-->> غزوة (غطفان) وهم حي من قيس بلغ النبي صلى الله عليه وسلم تجمعهم للإغارة على المدينة، فخرج اليهم فتشتتوا في رؤوس الجبال.
2-->> وغزوة (بحران) وهو موضع بجهة الفرع من المدينة به قبيلة بني سليم، أرادوا الإغارة على المدينة فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فتفرقوا.
3-->> وغزوة (أحد) وسنشرحها في الأصل.
4-->> وغزوة (حمراء الأسد) وقد ذكرت بالأصل.


وفي السنة الرابعة غزا ثلاث غزوات وبعث ثلاث سريات:

1-->> غزوة (بني النضير) وسنأتى على ذكرها في الأصل.
2-->> وغزوة (ذات الرقاع): اسم لصخور فيها بقع حمر وبيض وسود في جبل بجهة نجد؛ بلغه عليه الصلاة والسلام أن قبائل من نجد يتهيئون لحربه، فخرج إليهم في سبعمائة مقاتل فلم يجدوا غير النسوة فأخذوهن وعادوا، أما رجالهم فإنهم تفرقوا في رؤوس الجبال.
3-->> وغزوة (بدر الآخرة) وسيأتي الكلام عليها في آخر غزوة أحد.



وفي السنة الخامسة غزا أربع غزوات
أشهرها غزوة الخندق:

1-->> غزوة (دومة الجندل) وهي جهة بين المدينة المنورة ودمشق، على بعد خمس ليال من دمشق وخمس عشرة ليلة من المدينة، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن بها جمعا من الأعراب يعتدون على من يمر بهم وأنهم يريدون القرب من المدينة، فخرج إليهم في ألف من أصحابه، فلما علموا بقربه منهم تفرقوا وغنم المسلمون مواشيهم.
2-->> وغزوة (بني المصطلق) وهم حي من خزاعة ساعدوا قريشا على حرب المسلمين في غزوة أحد ثم تجمعوا لحرب المسلمين، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في جمع كثير فالتقى الجمعان بجهة (المريسيع) وهو ماء لقبيلة خزاعة؛ فانهزم المشركون بين قتيل وأسير، وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت زعيمهم الحارث وأعتق سائر نسائهم، وفي أثناء رجوع المسلمين من هذه الغزوة حصلت حادثة الإفك المشهورة.
3-->> وغزوة (الخندق)
4-->>وغزوة (بني قريظة) وسيأتى الكلام عليهما في الأصل.



وفي السنة السادسة غزا ثلاث غزوات وبعث إحدى عشرة سرية،
ومن غزواتها غزوة الحديبية:

1-->> غزوة (بني لحيان).
2-->> وغزوة (الغابة).
3-->> وغزوة (الحديبية).



وفي السنة السابعة غزا غزوة واحدة وهي

1-->> غزوة خيبر
وبعث ثلاث سرايا.



وفي السنة الثامنة غزا أربع غزوات، وبعث عشر سرايا،
وأكبر غزواتها غزوة فتح مكة ...

1-->> فتح مكة المكرمة
2-->> غزوة حنين:
3-->> غزوة (مؤتة).
4-->> وغزوة (الطائف)

· وغزوة (الفتح). · وغزوة (حنين). · وغزوة (الطائف)، وسيأتي الكلام على جميعها في الأصل.



وفي السنة التاسعة غزا غزوة واحدة وهي

1-->>غزوة تبوك،
وبعث سرية واحدة.



وفي السنة العاشرة بعث سريتين، وفيها حج حجة الوداع.



وفي السنة الحادية عشر بعث سرية واحدة.



فجملة الغزوات التي خرج للقتال فيها بنفسه صلى الله عليه وسلم:
سبع وعشرون غزوة،
وجملة السرايا التي بعث فيها المقاتلين ولم يخرج فيها بنفسه:
خمس وثلاثون سرية.

دمعه حزن 26 - 7 - 2010 4:15 PM

من غزواته الكبرى

نبدا بغزوة بدر

كان من عادة قريش أن تذهب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتشتري فتمر في ذهابها وإيابها بطريق المدينة، ففي شهر جمادى الثانية من السنة الثانية للهجرة بعثت قريش بأعظم تجارة لها إلى الشام في عير كبيرة (وهم يسمون الركب الخارج بالتجارة عيرا) خرج بها أبو سفيان بن حرب في بضعة وثلاثين رجلا من قريش، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في مائة وخمسين رجلا من المهاجرين فلم يدركهم، وتسمى هذه غزوة (العشيرة)، باسم واد من ناحية بدر.

ولما علم برجوعهم من الشام خرج إليهم في العشر الأوائل من شهر رمضان في ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، معهم فرسان وسبعون بعيرا، وسار حتى عسكر بالروحاء، وهو موضع على بعد أربعين ميلا في جنوب المدينة.

وكان أبو سفيان حين قرب من الحجاز يسير محترسا، فلما علم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الطريق المسلوكة وسار بساحل البحر، ثم بعث رجلا إلى مكة ليخبر قريشا ويستنفرهم لحفظ أموالهم، فقام منهم تسعمائة وخمسون رجلا فيهم مائة فارس وسبعمائة بعير، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروج هذا الجمع استشار أصحابه فأشاروا بالإقدام، فارتحل بهم حتى وصل قريبا من وادي بدر، فبلغه أن أبا سفيان قد نجا بالتجارة وأن قريشا وراء الوادي، لأن أبا جهل أشار عليهم بعد أن علموا بنجاة العير ألا يرجعوا حتى يصلوا بدراً فينحروا ويطعموا الطعام ويسقوا الخمور فتسمع بهم العرب فتهابهم أبدا.

فسار جيش المشركين حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي (أي الشاطئ البعيد للوادي)، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه حتى نزلوا بالعدوة الدنيا من الوادي، ولم يكن بها ماء فأرسل الله تعالى الغيث حتى سال الوادي فشرب المسلمون وملئوا أسقيتهم، وتلبدت لهم الأرض حتى سهل المسير فيها، أما الجهة التي كان بها المشركون فإن المطر أوحلها، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه حتى نزل بأقرب ماء من القوم، وأمر ببناء حوض يملأ ماء لجيشه؛ كما أمر بأن يغوّر ما وراءه من الآبار حتى ينقطع أمل المشركين في الشرب من وراء المسلمين، ثم أذن لأصحابه أن يبنوا له عريشاً يأوى إليه، فبني له فوق تل مشرف على ميدان القتال.

فلما تراءى الجيشان، وكان ذلك في صبيحة يوم الثلاثاء 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة قام النبي صلى الله عليه وسلم بتعديل صفوف جيشه حتى صاروا كأنهم بنيان مرصوص، ونظر لقريش فقال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني.

ثم برز ثلاثة من صفوف المشركين، وهم عتبة بن ربيعة وابنه الوليد وأخوه شيبة وطلبوا من يخرج إليهم، فبرز لهم ثلاثة من الأنصار، فقال المشركون: إنما نطلب أكفاءنا من بني عمنا (أى القرشيين)، فبرز لهم حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وعليّ بن أبي طالب، فكان حمزة بإزاء شيبة وكان عبيدة بإزاء عتبة وكان عليّ بإزاء الوليد، فأما حمزة وعليّ فقد أجهز كل منهما على مبارزه، وأما عبيدة فقد ضرب صاحبه ضربة لم تمته وضربه صاحبه مثلها، فجاء علي وحمزة فأجهزا على مبارز عبيدة وحملا عبيدة وهو جريح إلى صفوف المسلمين، وقد مات من آثار جراحه رضى الله عنه.

ثم بدأ الهجوم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش يشجع الناس ويقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)، وأخذ من الحصباء حفنة رمى بها في وجوه المشركين قائلا: شاهت الوجوه ( أي: قبحت)، ثم قال لأصحابه: شدوا عليهم. فحمى الوطيس (أي: اشتد القتال).

وأمد الله تعالى المسلمين بملائكة النصر، فلم تك إلا ساعة حتى انهزم المشركون وولوا الأدبار، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتلوا منهم سبعين رجلا وأسروا سبعين، ومن بين القتلى كثيرون من صناديدهم. ولما انتهت الموقعة أمر عليه الصلاة والسلام بدفن الشهداء من المسلمين، كما أمر بإلقاء قتلى المشركين في قليب بدر، ولم يستشهد من المسلمين سوى أربعة عشر رجلا رضي الله عنهم.

بعد أن انتهي القتال في بدر ودفن الشهداء والقتلى؛ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع الغنائم فجمعت، وأرسل من يبشر أهل المدينة بالنصر، ثم عاد عليه الصلاة والسلام بالغنائم والأسرى إلى المدينة، فقسم الغنائم بين المجاهدين ومن في حكمهم من المخلَّفين لمصلحة، وحفظ لورثة الشهداء أسهمهم، وأما الأسرى فرأى بعد أن استشار أصحابه فيهم أن يستبقيهم ويقبل الفداء من قريش عمَّن تريد فداءه، فبعثت قريش بالمال لفداء أسراهم، فكان فداء الرجل من ألف درهم الى أربعة آلاف درهم بحسب منزلته فيهم، ومن لم يكن معه فداء وهو يحسن القراءة والكتابة أعطوه عشرة من غلمان المسلمين يعلمهم، فكان ذلك فداءه.

وكان من الأسرى العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُعفه من الفداء مع أنه إنما خرج لهذه الحرب مُكْرَها، وقد أسلم العباس عقب غزوة بدر ولكنه لم يظهر إسلامه إلا قبيل فتح مكة.

وكان منهم أيضاً أبو العاص بن الربيع زوج زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد افتدته رضى الله عنها بقلادتها فرُدَّت إليها، واشترط عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمكّنها من الهجرة إلى المدينة فوفي بشرطه، وقد أسلم قبل فتح مكة، فرد إليه النبي صلى الله عليه وسلم زوجته.

ومنهم من منَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم بغير فداء؛ كأبي عزة الجمحي الذي كان يثير بشعره قريشاً ضد المسلمين، فطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفكه من الأسر على ألا يعود لمثل ذلك، فأطلقه على هذا الشرط، ولكنه لم يف بعهده بعد، وقتل بعد غزوة أحد.

ومن قتلى قريش: أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وحنظلة بن أبي سفيان، والوليد بن عتبة، والجراح والد أبي عبيدة، قتله ابنه أبو عبيدة بعد أن ابتعد عنه فلم يرجع. وأما شهداء بدر الأربعة عشر فمنهم ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار،
فمن المهاجرين: عبيدة بن الحارث وعمير بن أبي وقاص،
ومن الأنصار: عوف ومعوّذ ابنا عفراء الخزرجيان، وهما اللذان قتلا أبا جهل، ومنهم سعد بن خيثمة الأوسيّ أحد النقباء في بيعة العقبة. وهذه الغزوة الكبرى التي انتصر فيها المسلمون ذلك الانتصار الباهر، مع قلة عَددهم وعُددهم وكثرة عَدد العدوّ وعُدده، من الأدلة الكبرى على عناية الله تعالى بالمسلمين الصادقي العزيمة الممتلئة قلوبهم طمأنينة بالله تعالى وثقة بما وعدهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الفوز والنصر.

ولقد دخل بسببها الرعب في قلوب كافة العرب، فكانت للمسلمين عزاً وهيبة وقوة، والحمد لله رب العالمين.



غزوة احد


بعد أن مضى على غزوة بدر عام كامل؛ وكانت عير قريش لم تزل موقوفة بدار الندوة؛ اجتمع من بقى من عظمائهم إلى أبي سفيان، واتفقوا على أن يتركوا ربح أموالهم في تلك العير استعداداً لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ربحها نحو خمسين ألف دينار، فاجتمع منهم ثلاثة آلاف رجل ومعهم حلفاؤهم من بني المصطلق وغيرهم، وخرجوا بالقيان والدفوف والخمور، ومعهم هند امرأة أبي سفيان وخمس عشرة امرأة ليشجعنهم ، وساروا حتى وصلوا إلى ذي الحليفة بالقرب من المدينة.

وقد كان العباس بن عبد المطلب بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب يخبره فيه بخروج القوم، فجمع عليه الصلاة والسلام أصحابه وأخبرهم الخبر، واستشارهم في البقاء بالمدينة حتى إذا قدم القوم إليها قاتلوهم، فكان رأى الأكثرين الخروج للقاء العدو، ففي يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من شوال في السنة الثالثة للهجرة صلى الجمعة بالناس، وحضّهم في خطبتها على الثبات والصبر، ثم دخل حجرته فلبس درعين وتقلد السيف وألقى الترس وراء ظهره، ولما خرج للناس بعُدَّته هذه قال بعض من أشار بالخروج: نتبع ما عرضته من البقاء، فقال: ما كان لنبي لبس سلاحه أن يضعه حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه.

ثم عقد الألوية واستعرض الجيش وسار بألف رجل حتى منتصف الطريق بين المدينة وجبل أُحُد، وهو جبل في شمال المدينة، فرجع عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين في ثلاثمائة من أصحابه، ثم سار الجيش حتى نزل الشِّعب من أُحُد وجعل ظهره للجبل ووجهه للمدينة؛ وقد نزل المشركون ببطن الوادي بالقرب من أُحُد، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرماة؛ وكانوا خمسين رجلا؛ فجعلهم خلف الجيش على ظهر الجبل، وأمرهم ألاّ يبرحوا مكانهم، ثم عَدَّل الصفوف وخطب في الجيش بالنصائح والمواعظ، ثم خرج رجل من صفوف المشركين فبرز له الزبير بن العوام فقتله؛ وقتل علىُّ بن أبي طالب حاملَ لواء المشركين، واسمه حمزة أرطاة، وخرج من صفوف المشركين عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق يطلب المبارزة فهمَّ أبو بكر أن يبرز إليه، فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا له: متعنا بنفسك يا أبا بكر. ثم التقت الصفوف، وجعلت نساء قريش يضربن الدفوف وينشدن الأشعار تهييجاً لرجالهن، فدارت رحا الحرب، وكانت الغلبة للمسلمين، إلا أن الرماة لما رأوا انكشاف المشركين ترك أكثرهم مكانهم الذي أُمروا ألا يتحولوا عنه، وتحولوا إلى العسكر، وخلوا ظهر المسلمين للعدو، واشتغل بعض الجيش بالغنائم، فاختلت الصفوف، فتحولت فرسان المشركين بقيادة خالد بن الوليد وجاءوهم من خلفهم، فأصابوا فيهم، وأُذيع قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأضعف ذلك من عزائم الجيش، وانهزم جماعة من المسلمين، وانكشف مكان النبي صلى الله عليه وسلم للعدو فأصابته الحجارة، ووقع لشقه، فأصيبت رباعيته (السن التي بين الناب والثنية)، وجرح وجهه وشفته، ودخلت حلقتان من المغفر في وجنته، والمغفر هو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وقد عالج أبو عبيدة بن الجراح نزع هاتين الحلقتين من وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزعهما، وكسرت في ذلك ثنيتاه رضى الله عنه.

وأحاط به الكفار فدافع دونه خمسة من الأنصار، وعاد إليهم فئة من المسلمين حتى أجلوا الكفار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ممن امتاز بالمدافعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت: سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو طلحة الأنصارى الذي نثر كنانته بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو دجانة الذي كان النبل يقع في ظهره وهو منحن على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بعد أن أجلى الكفار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه كعب بن مالك الأنصارى، فشرع ينادى: يا معشر المسلمين أبشروا، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اسكت، ثم سار عليه الصلاة والسلام نحو الشِّعب بين سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة، ومعه أبو بكر وعمر وعليّ وطلحة والزبير وغيرهم، وجاءت فاطمة الزهراء رضى الله عنها فغسلت عنه الدم وضمدت جروحه، وأقبل أبي بن خلف من المشركين يقول: أين محمد؟ لا نجوتُ إن نجا، فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بحربة فوقع عن فرسه، وأصيب في عنقه، ومات بسبب ذلك،


الساعة الآن 3:03 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO