ليةكل حاجةحلوةعمرهاقصير
17 - 2 - 2011, 12:41 PM
صفحات خالده من تاريخ الأمه
موقعه عين جالوت
قدم التتار إلى البلاد العربية الإسلامية ، وقد سبقتهم سمعتهم الرهيبة
وأفعالهم المتوحشة ، فعاثوا في الأرض فساداً في بغداد وحلب ودمشق ،
واتجهوا إلى الديار المصرية ليأخذوها، وكانت تحت حكم السلطان المملوكي
قطز.
وجاء الخبر إلى الناس في مصر أن عسكر هولاكو قد وصل إلى دمشق ، ونهب
البلاد ، وقتل العباد ، فاضطربت من هذا الخبر القاهرة ، وعظمت البلية ،
ووصلت رسل خمسة من هولاكو برسالة جاء فيها بعد كلام فيه احتقار للمماليك
: ( سلموا إلينا الأمر تسلموا قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا ، وقد سمعتم
أنا أخربنا البلاد وقتلنا العباد ، فلكم منا الهرب ، ولنا خلفكم الطلب ،
فمالكم من سيوفنا خلاص ، وأنتم معنا في الأقفاص ، خيولنا سوابق ،
وسيوفنا صواعق ، فقلوبنا كالجبال ، وعددنا كالرمال ، فمن طلب حربنا ندم
، ومن تأخر عنا سلم ) .
ثم قال له بعد كلام : ( فأسرعوا إلينا بالجواب قبل أن تضرم الحرب نارها
، وترميكم بشرارها ، فلا يبقى لكم جاه ولا عزّ ، ولا يعصمكم منا حصن ولا
حرز ، وتترك الأرض منكم خالية ، والمنازل خاوية ، فقد أيقظناكم إذ
حذرناكم ، فما بقي لنا مقصد سواكم ، وقد حذرنا قبلكم أهل بغداد بمثل
ذلك فما سمعوا فجرى عليهم ما سمعتم به ، وقتلنا خطيبهم الذي يزعمون أنه
الخليفة ، وخربنا عواقب الردى ) ، فها أنت ذا ترى أخي القارئ شدة التتار
في كلامهم ، وقوة تهديدهم ، وجلبهم العبارات الميئسة ، خاصة أن هولاكو
ختم الرسالة بهذين البيتين :
أين المفر ولا مفـرّ لهـارب ولنا البسيطان:الثرى والماء
ذلت لهيبتنا الأسود وأصبحت في يـدنا الأمـراء والخلفـاء
فماذا فعل المظفر قطز بعد هذا التهديد الذي لا مثيل له ؟ إن الرجل توكل
على مولاه الذي لا يخيب قاصده ، وقرر أن يدخل الحرب ضد هولاكو ، وذلك
بعد أن جمع الأمراء فاستشارهم فقال لهم فيما قال : ( إن تأخرتم عن
قتالهم ملكوا الديار المصرية ، وفعلوا بنا كما فعلوا في بغداد )، فأجمع
أمرهم على الخروج إلى هولاكو ، وهنا فعل قطز فعلاً عجيباً لا يقدم عليه
إلا من كان قد عقد العزم على المناجزة ، وبث الرعب في العدو المقابل ،
وذلك أنه أمر بالرسل الخمسة فقتلوا ، وهذا مخالف لما هو معروف من أن
الرسل لا يقتلون ، لكنه صنع هذا ليخيف الأعداء ويشعرهم بقوته وهيبته
وسطوته .
واستعد المظفر قطز للقتال وجمع عدداً ضخماً من الجنود بينهم كثير من عربان
الشرقية والغربية ، ونادى بالنفير العام إلى الغزو في سبيل الله تعالى ،
فاجتمع عنده من عساكر مصر نحو أربعين ألفاً ، ثم برزت مشكلة جمع الأموال
اللازمة لهذا الجهاد ، فعقد مجلساً دعى إليه القضاة والمشايخ ، وكان على
رأسهم شيخ الإسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله تعالى ،
واستشار السلطان قطز عز الدين بن عبد السلام في شأن المال ، فقال الإمام
كلاماً عظيماً لا يصدر إلا ممن وثق بنصر الله تعالى لعبيده فقال : (اخرجوا
وأنا أضمن لكم على الله النصر )، فقال السلطان : ( إن المال في خزانتي
قليل وأنا أريد أن أقترض من أموال التجار )، فقال له الإمام ابن عبد
السلام :( إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك ، وأحضر الأمراء ما عندهم من
الحلي الحرام اتخاذه ، وضربته سكة ونقداً ، وفرقته في الجيش ولم يقم
بكفايتهم ، ذلك الوقت اطلب القرض ، وأما قبل ذلك فلا )، فأحضر السلطان
والعسكر كلهم ما عندهم من ذلك بحضرة الشيخ ، وكانت له عندهم عظمة ، وله
في أنفسهم مهابة بحيث لا يستطيعون مخالفته ، فامتثلوا ما قاله ، وهذا
يدل على أن لمشايخ الإسلام القدماء عظمة ومكانة لا تدانيها مكانة .
وأما قول العز بن عبد السلام :( اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر )
فهو من باب الثقة بنصر الله تعالى ، وأن النصر يتنزل إن حققت شروطه ،
والشيخ قد رأى أن شروطه تحققت ، أو أن ذلك من باب الكرامة للشيخ رحمه
الله تعالى ، ويشبه هذا ما وقع لشيخ الإسلام ابن تيمية فإنه كان يقسم
للناس أن الله سينصرهم على التتار في وقعة شقحب سنة 702هـ وكانت مع
التتار أيضاً ، وكان إذا قيل له : قل إن شاء الله يقول : إن شاء الله
تحقيقاً لا تعليقاً .
ثم إن المظفر قطزاً جمع المال من الناس ، فقرر على كل رأس من أهل مصر
والقاهرة من كبير وصغير ديناراً واحداً ، وأخذ من أجرة الأملاك شهراً واحداً
، وأخذ من أغنياء الناس والتجار زكاة أموالهم معجلاً ، وأخذ أشياء أخرى
كثيرة ، واجتمع له من الأموال بسبب هذا ستمائة ألف دينار وكسور ، فأنفق
ذلك على العسكر والعربان وجهز جيشه ، والطريف أن أحد الشعراء قال في
صنيعه هذا الذي اتكأ فيه على فتوى الإمام ابن عبد السلام :
إن سلطاننا الذي نرتجيـه واسع الحال ضيق الإنفـاق
هو سـيف كما يقـال ولكـن قاطـع للرســوم والأرزاق
وصل المظفر قطز إلى فلسطين في موقع هنالك يقال له ( عين جالوت ) ، وكان
ذلك في العشر الأواخر من رمضان سنة 658 ، وكان يوم جمعة ، فلما رأى جنود
التتار وكثرتهم قال رحمه الله تعالى للأمراء والجيوش الذين معه: لا
تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفيء الظلال وتهب الرياح ويدعو لنا الخطباء
والناس في صلاتهم ، وقد التقى مع التتار فانكسر الجيش الإسلامي ابتداء ،
فترجل عن جواده ورمى خوذته وقال : وا إسلاماه ، فكان لهذه الكلمة فعلها
في النفوس ، فاجتهد الجند والأمراء وقاتلوا قتالاً هائلاً ، وكان بينهما
ما تشيب من هوله النواصي ، وقتل من الفريقين عسكر لا يحصى في معركة
هائلة ، ثم انجلت المعركة عن هزيمة شنيعة للتتار ما ذاقوا مثلها من قبل
، وقتل قائدهم المحنك كَتْبُغانُوِين نائب هولاكو على بلاد الشام ، ولله
الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، وما قامت للتتار قائمة بعد تلك
المعركة ، بل كان أمرهم إلى بوار ، وفرح المسلمون فرحاً شديداً بهذه
النتيجة ، واتبعوا التتار يقتلونهم في كل موضع ، وهرب التتار من دمشق
وحلب ، وأيد الله الإسلام وأهله ، وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين
الذين فرحوا بانتصار التتار قبل ذلك ، وظهر دين الله وهم كارهون .
موقعه عين جالوت
قدم التتار إلى البلاد العربية الإسلامية ، وقد سبقتهم سمعتهم الرهيبة
وأفعالهم المتوحشة ، فعاثوا في الأرض فساداً في بغداد وحلب ودمشق ،
واتجهوا إلى الديار المصرية ليأخذوها، وكانت تحت حكم السلطان المملوكي
قطز.
وجاء الخبر إلى الناس في مصر أن عسكر هولاكو قد وصل إلى دمشق ، ونهب
البلاد ، وقتل العباد ، فاضطربت من هذا الخبر القاهرة ، وعظمت البلية ،
ووصلت رسل خمسة من هولاكو برسالة جاء فيها بعد كلام فيه احتقار للمماليك
: ( سلموا إلينا الأمر تسلموا قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا ، وقد سمعتم
أنا أخربنا البلاد وقتلنا العباد ، فلكم منا الهرب ، ولنا خلفكم الطلب ،
فمالكم من سيوفنا خلاص ، وأنتم معنا في الأقفاص ، خيولنا سوابق ،
وسيوفنا صواعق ، فقلوبنا كالجبال ، وعددنا كالرمال ، فمن طلب حربنا ندم
، ومن تأخر عنا سلم ) .
ثم قال له بعد كلام : ( فأسرعوا إلينا بالجواب قبل أن تضرم الحرب نارها
، وترميكم بشرارها ، فلا يبقى لكم جاه ولا عزّ ، ولا يعصمكم منا حصن ولا
حرز ، وتترك الأرض منكم خالية ، والمنازل خاوية ، فقد أيقظناكم إذ
حذرناكم ، فما بقي لنا مقصد سواكم ، وقد حذرنا قبلكم أهل بغداد بمثل
ذلك فما سمعوا فجرى عليهم ما سمعتم به ، وقتلنا خطيبهم الذي يزعمون أنه
الخليفة ، وخربنا عواقب الردى ) ، فها أنت ذا ترى أخي القارئ شدة التتار
في كلامهم ، وقوة تهديدهم ، وجلبهم العبارات الميئسة ، خاصة أن هولاكو
ختم الرسالة بهذين البيتين :
أين المفر ولا مفـرّ لهـارب ولنا البسيطان:الثرى والماء
ذلت لهيبتنا الأسود وأصبحت في يـدنا الأمـراء والخلفـاء
فماذا فعل المظفر قطز بعد هذا التهديد الذي لا مثيل له ؟ إن الرجل توكل
على مولاه الذي لا يخيب قاصده ، وقرر أن يدخل الحرب ضد هولاكو ، وذلك
بعد أن جمع الأمراء فاستشارهم فقال لهم فيما قال : ( إن تأخرتم عن
قتالهم ملكوا الديار المصرية ، وفعلوا بنا كما فعلوا في بغداد )، فأجمع
أمرهم على الخروج إلى هولاكو ، وهنا فعل قطز فعلاً عجيباً لا يقدم عليه
إلا من كان قد عقد العزم على المناجزة ، وبث الرعب في العدو المقابل ،
وذلك أنه أمر بالرسل الخمسة فقتلوا ، وهذا مخالف لما هو معروف من أن
الرسل لا يقتلون ، لكنه صنع هذا ليخيف الأعداء ويشعرهم بقوته وهيبته
وسطوته .
واستعد المظفر قطز للقتال وجمع عدداً ضخماً من الجنود بينهم كثير من عربان
الشرقية والغربية ، ونادى بالنفير العام إلى الغزو في سبيل الله تعالى ،
فاجتمع عنده من عساكر مصر نحو أربعين ألفاً ، ثم برزت مشكلة جمع الأموال
اللازمة لهذا الجهاد ، فعقد مجلساً دعى إليه القضاة والمشايخ ، وكان على
رأسهم شيخ الإسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله تعالى ،
واستشار السلطان قطز عز الدين بن عبد السلام في شأن المال ، فقال الإمام
كلاماً عظيماً لا يصدر إلا ممن وثق بنصر الله تعالى لعبيده فقال : (اخرجوا
وأنا أضمن لكم على الله النصر )، فقال السلطان : ( إن المال في خزانتي
قليل وأنا أريد أن أقترض من أموال التجار )، فقال له الإمام ابن عبد
السلام :( إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك ، وأحضر الأمراء ما عندهم من
الحلي الحرام اتخاذه ، وضربته سكة ونقداً ، وفرقته في الجيش ولم يقم
بكفايتهم ، ذلك الوقت اطلب القرض ، وأما قبل ذلك فلا )، فأحضر السلطان
والعسكر كلهم ما عندهم من ذلك بحضرة الشيخ ، وكانت له عندهم عظمة ، وله
في أنفسهم مهابة بحيث لا يستطيعون مخالفته ، فامتثلوا ما قاله ، وهذا
يدل على أن لمشايخ الإسلام القدماء عظمة ومكانة لا تدانيها مكانة .
وأما قول العز بن عبد السلام :( اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر )
فهو من باب الثقة بنصر الله تعالى ، وأن النصر يتنزل إن حققت شروطه ،
والشيخ قد رأى أن شروطه تحققت ، أو أن ذلك من باب الكرامة للشيخ رحمه
الله تعالى ، ويشبه هذا ما وقع لشيخ الإسلام ابن تيمية فإنه كان يقسم
للناس أن الله سينصرهم على التتار في وقعة شقحب سنة 702هـ وكانت مع
التتار أيضاً ، وكان إذا قيل له : قل إن شاء الله يقول : إن شاء الله
تحقيقاً لا تعليقاً .
ثم إن المظفر قطزاً جمع المال من الناس ، فقرر على كل رأس من أهل مصر
والقاهرة من كبير وصغير ديناراً واحداً ، وأخذ من أجرة الأملاك شهراً واحداً
، وأخذ من أغنياء الناس والتجار زكاة أموالهم معجلاً ، وأخذ أشياء أخرى
كثيرة ، واجتمع له من الأموال بسبب هذا ستمائة ألف دينار وكسور ، فأنفق
ذلك على العسكر والعربان وجهز جيشه ، والطريف أن أحد الشعراء قال في
صنيعه هذا الذي اتكأ فيه على فتوى الإمام ابن عبد السلام :
إن سلطاننا الذي نرتجيـه واسع الحال ضيق الإنفـاق
هو سـيف كما يقـال ولكـن قاطـع للرســوم والأرزاق
وصل المظفر قطز إلى فلسطين في موقع هنالك يقال له ( عين جالوت ) ، وكان
ذلك في العشر الأواخر من رمضان سنة 658 ، وكان يوم جمعة ، فلما رأى جنود
التتار وكثرتهم قال رحمه الله تعالى للأمراء والجيوش الذين معه: لا
تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفيء الظلال وتهب الرياح ويدعو لنا الخطباء
والناس في صلاتهم ، وقد التقى مع التتار فانكسر الجيش الإسلامي ابتداء ،
فترجل عن جواده ورمى خوذته وقال : وا إسلاماه ، فكان لهذه الكلمة فعلها
في النفوس ، فاجتهد الجند والأمراء وقاتلوا قتالاً هائلاً ، وكان بينهما
ما تشيب من هوله النواصي ، وقتل من الفريقين عسكر لا يحصى في معركة
هائلة ، ثم انجلت المعركة عن هزيمة شنيعة للتتار ما ذاقوا مثلها من قبل
، وقتل قائدهم المحنك كَتْبُغانُوِين نائب هولاكو على بلاد الشام ، ولله
الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، وما قامت للتتار قائمة بعد تلك
المعركة ، بل كان أمرهم إلى بوار ، وفرح المسلمون فرحاً شديداً بهذه
النتيجة ، واتبعوا التتار يقتلونهم في كل موضع ، وهرب التتار من دمشق
وحلب ، وأيد الله الإسلام وأهله ، وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين
الذين فرحوا بانتصار التتار قبل ذلك ، وظهر دين الله وهم كارهون .