انوسه
2 - 11 - 2010, 8:55 PM
مشكلة بين العلماء
من المعروف أن نسل الرسول صلى الله عليه
وسلم مطهر من المشركين فكيف يتأتى أن يكون
والد إبراهيم هو "آزر" الذي ينتهي إليه النسب
الشريف ؟ هناك مشكلة بين العلماء حول قوله
تعالى : ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما
آلهة ) - الأنعام : 74 - فهل أبو إبراهيم هو "آزر
أم
"تارح" ؟ وإذا كان "آزر" فكيف يتفق مع قول
الرسول
صلى الله عليه وسلم : وما زلت أنتقل من
أصلاب
الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ؟! فقد أخبر أنه
من
سلسلة نسب موحد لا يمكن أن يكون للشرك
فيه
مجال . والحق يقول : ( إنما المشركون نجس ) -
التوبة : 28 - ولو كان "آزر" أبّا حقيقا لإبراهيم لكان
من ذريته "محمد" وهذا محال , لأن النسب
الشريف مطهر من جهة الآباء والأمهات من الشرك
فكيف نفسر قول الحق ( لأبيه آزر ) ؟ نأخذ اللغة
واستعمالات القرآن في معنى الأبوة . والقرآن صريح
في أن الأبوة كما تطلق على الأب الحقيقي تطلق
على "أخو" الوالد أو عمه . والدليل أن القرآن الذي
قال : ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال
لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك
إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ) - البقرة : 133 إذن
فإبراهيم أب وإسماعيل أب ويعقوب أب . هؤلاء الآباء
المذكورون في هذه الآية . صحيح أن إبراهيم أب ,
لأنه جد , ولكن إسحاق ليس أبّا , لأنه أخو يعقوب
مع إسماعيل , إذن فالعم أب أيضا . وحين تُطلق
كلمة الأب حتى في أعرافنا إذا جاء شخص إلى آخر
وقال له أبوك موجود , انصرف هذا إلى أبيه
الحقيقي دون ذكر اسمه . ولكن لو قال له : أبوك
محمد , فهو يعني عمه . ولو قال الحق : ( وإذ قال
إبراهيم لأبيه ) - الأنعام : 74 - وسكت , يصح أن
يكون المقصود هو أباه الحقيقي , ولكنه قال لأبيه
آزر) تمييزا له ليخرج الأب الحقيقي من كلمة أب .
ولكن لماذا يطلب الله من الرسول أن يذكر وإذ
قال إبراهيم لأبيه آزر) ؟ - لأن الرسول صلى الله
عليه وسلم جاء على فترة من الرسل , وجاء في
الأمة المواجهة للدعوة , أمة العرب , إلا أن إبراهيم
يعيش في عقائد هؤلاء القوم , فهو الذي رفع قواعد
الكعبة , ولولا الكعبة لكانت قريش كسائر القبائل ,
فبالكعبة تحققت لقريش السيادة والمهابة
والسلطان .. ينتقلون بتجارتهم شمالا وجنوبا , فلا
يتعرض لهم أحد , لأن من سيتعرض لهم سيأتي
في العام القادم للحج إلى الكعبة . ولذلك قلنا
عندما تعرضنا لقوله تعالى : ( ألم تر كيف فعل ربك
بأصحاب الفيل ) وجاءت بعدها الآيات ( لإيلاف قريش
* إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) إنه لو تعرض البيت
للهدم في حادثة الفيل لانتهت سيادة قريش ,
ولكن الله حفظه لهم . لماذا ؟ ( فليعبدوا رب هذا
البيت ) الذي رفع قواعده إبراهيم , وإن كانوا يعبدون
الأصنام , إلا أن لهم صلة عقدية بإبراهيم , فأراد
الحق أن يدخل إليهم من خلاله , ليرقق قلوبهم
بشأن المسألة العقدية لمواجهة الأصنام , وإبراهيم
الذي رفع قواعد البيت حارب في قومه الأصنام وكما
أن لإبراهيم مكانته عند الكفار , فله مكانته أيضا عند
اليهود والنصارى , فكل منهم يدّعيه لنفسه , بدليل
قوله تعالى : ( أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل
أأنتم أعلم أم الله ) - البقرة : 140 - ثم يوضح الحق
لهم أن إبراهيم مسلم , وإذا كنتم تعتزون به فيجب
أن تكونوا مسلمين مثله وتتبعوا محمدا ودينه الذي
أحيا ملة إبراهيم , فيقول الحق : ( ما كان إبراهيم
يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان
من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين
اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين )
- آل عمران : 67 : 68 ويؤكد الحق أن إبراهيم الذي
له مكانة لديهم استنكر عبادة الأصنام فقال لعمه :
( أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال
مبين ) - الأنعام : 74 وكما اهتدى إبراهيم إلى أن
ألأصنام ضلال , فقد أراد الحق أن يبين له أسرار
ملكوته , فقال : ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت
السموات والأرض وليكن من الموقنين ) - الأنعام :
75 - لهذا عندما جاء إبراهيم يتحدث عن الشركاء
قال : ( فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) - الشعراء :
77 ( الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو
يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين *
والذي يميتني ثم يحين ) - الشعراء : 78 : 81
فإبراهيم أسند كل شيء إلى الله خالقه , وإن كانت
الظواهر تدل على أن للناس دخلا في المسألة ,
ولكن لو سلسلت كل المسائل والظواهر لوجدتها
في النهاية تصل إلى المسبب الأعلى وهو الله .
ولذلك قفز إبراهيم من الحلقات الظاهرية إلى
الحقيقة , عرف الحقيقة ( وإذا مرضت فهو يشفين )
- الشعراء : 80 - فالأطباء يعالجون , لكن الله هو
الشافي , وهكذا عرف إبراهيم الحقيقة . ولذلك
أخذ سلطانا كبيرا في العقيدة معترفا به من كل
الأنبياء , لذلك قال الله عنه : ( وإبراهيم الذي وفى )
- النجم : 37 - أوفى بما أمره الله به أن يفعله .
يقول الحق : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات
فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما ) - البقرة :
124 - أي اجعل من ذريتي أئمة , فقال الحق : لا
ليست المسألة وراثة دم , إنما يأخذ الإمامة من
يستحقها , لذا لما جاء إبراهيم وزوجه هاجر وابنهما
إسماعيل في مكان صحراوي لا شيء فيه من
ضرورات الحياة وهو الماء قال إبراهيم : ( رب اجعل
هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم
بالله واليوم الآخر ) - البقرة : 126 - تنبه إبراهيم إلى
حكاية الإمامة التي لا ينالها من ذريته إلا من قد
آمن , فدعا الله ألا يرزق أيضا إلا من قد آمن , فلم
يفرق إبراهيم بين عهد الإمامة وعهد الرزق ,
فأوضح له الحق بأنه في مسألة الرزق يرزق الكافر
أيضا , لأن الطعام من عطاءات الربوبية , إنما
المناهج من عطاءات الألوهية , فهو رب كل الناس
استدعاهم للوجود ويرزقهم , لأنها عطاءات
الربوبية , أما من يلتحق بذات الإله لأنه إله فقط وإن
أفقره ويخلص الارتباط بخالقه , فإن الله يعطيه
عطاءات من أسرار كونه . ولذا يقول الحق : ( واتقوا
الله ويعلمكم الله ) - البقرة : 282 - فحين تتقى
تلتحم بالحق , فتكون في دائرة فيوضات الحق ,
ولذلك في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم قال
أبو بكر وهو في الغار للرسول : لو نظر أحدهم
تحت قدميه لرآنا - مشيرا بذلك إلى الكفار , ولكن
الرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليه أن هذا
صحيح ظاهريا , وينقله إلى ملكوت آخر قائلا : ما
بالك باثنين الله ثالثهما ؟ يعنى اطمئن لا أحد يرانا ,
لأننا في معية الله الذي هو ثالثنا , والله لا تدركه
الأبصار , فلن تدركنا أبصار الكفار وهكذا فعالم
الملكوت هو الشيء الذي يغيب عنا وراء الأسباب ,
ولأن إبراهيم أوفى ما أمره الله به , فقد أطلعه الله
على أسرار الملكوت , وكلما يأتي له شيء جديد
يتيقن , إبراهيم كان حقا من الموقنين في كل أدوار
حياته , لأن الله أعلمه ما وراء مظاهر الملك
والأشياء , وأراه عواقبها , مثلا لما أخذوه لطرحه في
النار , طبعا الواحد في مثل هذه الظروف يريد من
يمد يده إليه لينجيه , فجاء جبريل يسأل إبراهيم :
أليس ليك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا فقد علم أن
النار حارقة بالذي خلقها وهو الذي يستطيع ألا
يجعلها حارقة , فهذا يقين , لذالم يكن الحظ
السعيد أن ينجو إبراهيم من النار , وكان من
الممكن ألا يمكنهم الله منه ولكنه مكنهم منه ,
حتى لا يقولوا هرب منّا , وكان من الممكن أن
يرسل الله مطرا يطفئ النار , ولكنه لم يفعل حتى
لا يقولوا : لو لم تنطفئ النار لأحرقناه , - ولكن
إبراهيم لم يهرب ولم تُطفأ النار , ليشاهد القوم
الحقيقة التي عرفها إبراهيم مسبقا فكانت النار بردا
وسلاما على إبراهيم وكما ابتلى إبراهيم في أول
حياته بإلقائه في النار , فقد ابتلى في نهاية حياته
بتعريض ابنه الوحيد للذبح , والذي لم يأته إلا بعد أن
كبرت به السن , وكان من الممكن أن يأمر الله غير
إبراهيم بقتل ابنه , ولكن لا , بل هو الذي يذبحه
بأمر الله ووحيه , وكان من الممكن ألا يستجيب
إبراهيم عندما رأى في المنام أنه يذبح ابنه
إسماعيل , ولكنه يعلم أن رؤيا الأنبياء حق , ورضى
بالقضاء فرفع عنه , لذلك لو رأيت أحدا طال عليه
القضاء , فذلك لأنه لم يرض به , لأن الله لا يرفع
قضاءه عن إنسان حتى يرضى به بقلبه لا بلسانه ,
لأن احدا لا يستطيع أن يلوي إرادة خالقه . لذلك
رضي إبراهيم بقضاء ربه في ذبح أبنه إسماعيل ,
ولم يرو أن إسماعيل عبر عن سخطه على أبيه
فيحرم من الجزاء , وإنما قال ( قال يا أبت افعل ما
تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) -
الصافات : 102 - لم يقل له افعل ما تريد , بل قال
( افعل ما تؤمر ) ويكمل الحق ما حدث فيقول :
( فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم *
قد صدقت الرءيا إنا كذلك نجزي المحسنين * إن
هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم ) -
الصافات : 103 : 107
من المعروف أن نسل الرسول صلى الله عليه
وسلم مطهر من المشركين فكيف يتأتى أن يكون
والد إبراهيم هو "آزر" الذي ينتهي إليه النسب
الشريف ؟ هناك مشكلة بين العلماء حول قوله
تعالى : ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما
آلهة ) - الأنعام : 74 - فهل أبو إبراهيم هو "آزر
أم
"تارح" ؟ وإذا كان "آزر" فكيف يتفق مع قول
الرسول
صلى الله عليه وسلم : وما زلت أنتقل من
أصلاب
الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ؟! فقد أخبر أنه
من
سلسلة نسب موحد لا يمكن أن يكون للشرك
فيه
مجال . والحق يقول : ( إنما المشركون نجس ) -
التوبة : 28 - ولو كان "آزر" أبّا حقيقا لإبراهيم لكان
من ذريته "محمد" وهذا محال , لأن النسب
الشريف مطهر من جهة الآباء والأمهات من الشرك
فكيف نفسر قول الحق ( لأبيه آزر ) ؟ نأخذ اللغة
واستعمالات القرآن في معنى الأبوة . والقرآن صريح
في أن الأبوة كما تطلق على الأب الحقيقي تطلق
على "أخو" الوالد أو عمه . والدليل أن القرآن الذي
قال : ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال
لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك
إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ) - البقرة : 133 إذن
فإبراهيم أب وإسماعيل أب ويعقوب أب . هؤلاء الآباء
المذكورون في هذه الآية . صحيح أن إبراهيم أب ,
لأنه جد , ولكن إسحاق ليس أبّا , لأنه أخو يعقوب
مع إسماعيل , إذن فالعم أب أيضا . وحين تُطلق
كلمة الأب حتى في أعرافنا إذا جاء شخص إلى آخر
وقال له أبوك موجود , انصرف هذا إلى أبيه
الحقيقي دون ذكر اسمه . ولكن لو قال له : أبوك
محمد , فهو يعني عمه . ولو قال الحق : ( وإذ قال
إبراهيم لأبيه ) - الأنعام : 74 - وسكت , يصح أن
يكون المقصود هو أباه الحقيقي , ولكنه قال لأبيه
آزر) تمييزا له ليخرج الأب الحقيقي من كلمة أب .
ولكن لماذا يطلب الله من الرسول أن يذكر وإذ
قال إبراهيم لأبيه آزر) ؟ - لأن الرسول صلى الله
عليه وسلم جاء على فترة من الرسل , وجاء في
الأمة المواجهة للدعوة , أمة العرب , إلا أن إبراهيم
يعيش في عقائد هؤلاء القوم , فهو الذي رفع قواعد
الكعبة , ولولا الكعبة لكانت قريش كسائر القبائل ,
فبالكعبة تحققت لقريش السيادة والمهابة
والسلطان .. ينتقلون بتجارتهم شمالا وجنوبا , فلا
يتعرض لهم أحد , لأن من سيتعرض لهم سيأتي
في العام القادم للحج إلى الكعبة . ولذلك قلنا
عندما تعرضنا لقوله تعالى : ( ألم تر كيف فعل ربك
بأصحاب الفيل ) وجاءت بعدها الآيات ( لإيلاف قريش
* إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) إنه لو تعرض البيت
للهدم في حادثة الفيل لانتهت سيادة قريش ,
ولكن الله حفظه لهم . لماذا ؟ ( فليعبدوا رب هذا
البيت ) الذي رفع قواعده إبراهيم , وإن كانوا يعبدون
الأصنام , إلا أن لهم صلة عقدية بإبراهيم , فأراد
الحق أن يدخل إليهم من خلاله , ليرقق قلوبهم
بشأن المسألة العقدية لمواجهة الأصنام , وإبراهيم
الذي رفع قواعد البيت حارب في قومه الأصنام وكما
أن لإبراهيم مكانته عند الكفار , فله مكانته أيضا عند
اليهود والنصارى , فكل منهم يدّعيه لنفسه , بدليل
قوله تعالى : ( أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل
أأنتم أعلم أم الله ) - البقرة : 140 - ثم يوضح الحق
لهم أن إبراهيم مسلم , وإذا كنتم تعتزون به فيجب
أن تكونوا مسلمين مثله وتتبعوا محمدا ودينه الذي
أحيا ملة إبراهيم , فيقول الحق : ( ما كان إبراهيم
يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان
من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين
اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين )
- آل عمران : 67 : 68 ويؤكد الحق أن إبراهيم الذي
له مكانة لديهم استنكر عبادة الأصنام فقال لعمه :
( أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال
مبين ) - الأنعام : 74 وكما اهتدى إبراهيم إلى أن
ألأصنام ضلال , فقد أراد الحق أن يبين له أسرار
ملكوته , فقال : ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت
السموات والأرض وليكن من الموقنين ) - الأنعام :
75 - لهذا عندما جاء إبراهيم يتحدث عن الشركاء
قال : ( فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) - الشعراء :
77 ( الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو
يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين *
والذي يميتني ثم يحين ) - الشعراء : 78 : 81
فإبراهيم أسند كل شيء إلى الله خالقه , وإن كانت
الظواهر تدل على أن للناس دخلا في المسألة ,
ولكن لو سلسلت كل المسائل والظواهر لوجدتها
في النهاية تصل إلى المسبب الأعلى وهو الله .
ولذلك قفز إبراهيم من الحلقات الظاهرية إلى
الحقيقة , عرف الحقيقة ( وإذا مرضت فهو يشفين )
- الشعراء : 80 - فالأطباء يعالجون , لكن الله هو
الشافي , وهكذا عرف إبراهيم الحقيقة . ولذلك
أخذ سلطانا كبيرا في العقيدة معترفا به من كل
الأنبياء , لذلك قال الله عنه : ( وإبراهيم الذي وفى )
- النجم : 37 - أوفى بما أمره الله به أن يفعله .
يقول الحق : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات
فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما ) - البقرة :
124 - أي اجعل من ذريتي أئمة , فقال الحق : لا
ليست المسألة وراثة دم , إنما يأخذ الإمامة من
يستحقها , لذا لما جاء إبراهيم وزوجه هاجر وابنهما
إسماعيل في مكان صحراوي لا شيء فيه من
ضرورات الحياة وهو الماء قال إبراهيم : ( رب اجعل
هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم
بالله واليوم الآخر ) - البقرة : 126 - تنبه إبراهيم إلى
حكاية الإمامة التي لا ينالها من ذريته إلا من قد
آمن , فدعا الله ألا يرزق أيضا إلا من قد آمن , فلم
يفرق إبراهيم بين عهد الإمامة وعهد الرزق ,
فأوضح له الحق بأنه في مسألة الرزق يرزق الكافر
أيضا , لأن الطعام من عطاءات الربوبية , إنما
المناهج من عطاءات الألوهية , فهو رب كل الناس
استدعاهم للوجود ويرزقهم , لأنها عطاءات
الربوبية , أما من يلتحق بذات الإله لأنه إله فقط وإن
أفقره ويخلص الارتباط بخالقه , فإن الله يعطيه
عطاءات من أسرار كونه . ولذا يقول الحق : ( واتقوا
الله ويعلمكم الله ) - البقرة : 282 - فحين تتقى
تلتحم بالحق , فتكون في دائرة فيوضات الحق ,
ولذلك في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم قال
أبو بكر وهو في الغار للرسول : لو نظر أحدهم
تحت قدميه لرآنا - مشيرا بذلك إلى الكفار , ولكن
الرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليه أن هذا
صحيح ظاهريا , وينقله إلى ملكوت آخر قائلا : ما
بالك باثنين الله ثالثهما ؟ يعنى اطمئن لا أحد يرانا ,
لأننا في معية الله الذي هو ثالثنا , والله لا تدركه
الأبصار , فلن تدركنا أبصار الكفار وهكذا فعالم
الملكوت هو الشيء الذي يغيب عنا وراء الأسباب ,
ولأن إبراهيم أوفى ما أمره الله به , فقد أطلعه الله
على أسرار الملكوت , وكلما يأتي له شيء جديد
يتيقن , إبراهيم كان حقا من الموقنين في كل أدوار
حياته , لأن الله أعلمه ما وراء مظاهر الملك
والأشياء , وأراه عواقبها , مثلا لما أخذوه لطرحه في
النار , طبعا الواحد في مثل هذه الظروف يريد من
يمد يده إليه لينجيه , فجاء جبريل يسأل إبراهيم :
أليس ليك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا فقد علم أن
النار حارقة بالذي خلقها وهو الذي يستطيع ألا
يجعلها حارقة , فهذا يقين , لذالم يكن الحظ
السعيد أن ينجو إبراهيم من النار , وكان من
الممكن ألا يمكنهم الله منه ولكنه مكنهم منه ,
حتى لا يقولوا هرب منّا , وكان من الممكن أن
يرسل الله مطرا يطفئ النار , ولكنه لم يفعل حتى
لا يقولوا : لو لم تنطفئ النار لأحرقناه , - ولكن
إبراهيم لم يهرب ولم تُطفأ النار , ليشاهد القوم
الحقيقة التي عرفها إبراهيم مسبقا فكانت النار بردا
وسلاما على إبراهيم وكما ابتلى إبراهيم في أول
حياته بإلقائه في النار , فقد ابتلى في نهاية حياته
بتعريض ابنه الوحيد للذبح , والذي لم يأته إلا بعد أن
كبرت به السن , وكان من الممكن أن يأمر الله غير
إبراهيم بقتل ابنه , ولكن لا , بل هو الذي يذبحه
بأمر الله ووحيه , وكان من الممكن ألا يستجيب
إبراهيم عندما رأى في المنام أنه يذبح ابنه
إسماعيل , ولكنه يعلم أن رؤيا الأنبياء حق , ورضى
بالقضاء فرفع عنه , لذلك لو رأيت أحدا طال عليه
القضاء , فذلك لأنه لم يرض به , لأن الله لا يرفع
قضاءه عن إنسان حتى يرضى به بقلبه لا بلسانه ,
لأن احدا لا يستطيع أن يلوي إرادة خالقه . لذلك
رضي إبراهيم بقضاء ربه في ذبح أبنه إسماعيل ,
ولم يرو أن إسماعيل عبر عن سخطه على أبيه
فيحرم من الجزاء , وإنما قال ( قال يا أبت افعل ما
تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) -
الصافات : 102 - لم يقل له افعل ما تريد , بل قال
( افعل ما تؤمر ) ويكمل الحق ما حدث فيقول :
( فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم *
قد صدقت الرءيا إنا كذلك نجزي المحسنين * إن
هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم ) -
الصافات : 103 : 107