تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : شبهات لغوية حول القرآن


الحوراء
31 - 8 - 2010, 5:46 PM
-1-



الضمير المفرد في قوله تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه}



في سورة التوبةحديث مفصل عن المنافقين ومواقفهم تجاه الدعوة الإسلامية، ومن بين تلك المواقف، ما أخبرنا عنه قوله تعالى: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين }(التوبة:62) .


وقد أثار بعض المشككين إشكالاً لغويًا حول الآية، من جهة أن الضمير في قوله تعالى: { يرضوه } جاء بصيغة الإفراد، مع أن سياق الكلام يعود إلى الله ورسوله، فكان الذي تقتضيه قواعد اللغة أن يأتي الضمير بصيغة التثنية، فيقول: ( والله ورسوله أحق أن يرضوهما )؛ فهل صحيح أن هذا الأسلوب جاء مخالفًا لما تقتضيه القواعد ؟

لقد توقف المفسرون عند هذه الآية، وأجابوا على هذا الإشكال بأجوبة عديدة، تبين أن الآية جاءت على أسلوب العرب، ولا إشكال فيها ولا مخالفة .


ومن الأجوبة في توجيه الآية، أن قوله تعالى: { والله ورسوله أحق أن يرضوه }عبارة عن جملتين؛ الأولى: ( والله أحق أن يرضوه ) والثانية: ( ورسوله أحق أن يرضوه )، فحذف خبر الجملة الأولى ( أحق أن يرضوه ) لدلالة خبر الجملة الثانية عليه، وتقدير الآية: ( والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه ). وإلى هذا ذهب سيبويه في توجيه الآية. قالوا: وهذا كقول الشاعر الجاهلي أحيحية بن الجلاح :

نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف


والتقدير: نحن راضون بما عندنا، وأنت راض بما عندك، ورأينا ورأيك مختلفان، لكن حذف ( الرضا ) في الشطر الأول من البيت؛ لدلالة ( الرضا ) عليه في الشطر الثاني .
وذكر المفسرون توجيهًا ثانيًا للآية، يرى أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك. وهذا مذهب المبرد في توجيه الآية. وكلا المذهبين له من كلام العرب ما يؤيده .


ثم إن المفسرين ذكروا هنا، أن الآية جاءت على هذا الأسلوب لاعتبارات معينة:


فإما أن يكون مجيء الضمير بلفظ المفرد دون لفظ المثنى؛ لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم، فكانا في حكم مرضي واحد؛ فإرضاء الرسول في الحقيقة هو إرضاء لله سبحانه، وهذا كقوله تعالى: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } (النساء:80) .


وإما أن يكون مجيء الضمير بلفظ المفرد دون لفظ المثنى؛ للتفرقة بين الإرضاءين، رضا الله تعالى، ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا كقول الشاعر ضابئ بن الحارث البرجمي :


من يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيَّار بها لغريب


و( قيار ) اسم فرس الشاعر، والتقدير: فإني لغريب بالمدينة، و( قيار ) بها غريب أيضًا؛ وكان الأصل أن يقول: لغريبان، لكن جاء به على صيغة الإفراد؛ لأن إحدى الغربتين مخالفة لأخراهما، فأتى باللفظ على صيغة الإفراد دون التثنية مراعاة لذلك .


وإما أن يكون مجيء الضمير بلفظ المفرد دون لفظ المثنى؛ لتعظيم الجناب الإلهي بإفراده بالذكر تأدبًا؛ لئلا يجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير تثنية، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال: ( ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان ) رواه أبو داود.


وبأيٍّ من هذه الاعتبارات أخذنا، فإن الآية تبقى مستقيمة في تركيبها، وصحيحة في معناها .
على أن أمرًا جدير بالذكر في هذا السياق، وهو أنه يشترط لصحة تثنية الضمائر وجمعها توافق ما يراد تثنيته وجمعه من جميع الجهات، فإذا لم يتحقق هذا التوافق من جميع الجهات، لم تجز التثنية ولا الجمع بحال؛ فأنت تقول في تثنية رجل: رجلان، وفي الجمع تقول: رجال؛ لاتحاد أفراد هذا الجنس، لكن لا يمكن أن تثني رجل وامرأة ولا أن تجمعهما مطلقًا؛ ولما كان الله سبحانه ليس كمثله شيء، فقد اقتضى التركيب القرآني في الآية أن يأتي على الشكل الذي أتى عليه .

:kkk::kkk:
يتبع

الحوراء
31 - 8 - 2010, 5:47 PM
-2-


التعبير بصيغة المضارع بدل الماضي





ورد في القرآن الكريم في سياق الحديث عن خلق عيسى عليه السلام، قوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } (آل عمران:59)، والتعبير بأسلوب: { كن فيكون } ورد في أكثر من موضع في القرآن الكريم في سياقات مختلفة .


وقد استشكل بعض الناس مجيء الإخبار بصيغة الحاضر { فيكون } على ما وقع في الماضي، وقالوا: إن مقتضى الكلام أن يقال: ( فإنما يقول له كن فكان )؛ لأن الإخبار عن أمر قد وقع وانتهى، لا يصح أن يكون بلفظ المضارع، وإنما بلفظ الماضي .


وقد أجاب المفسرون على مجيء هذه الآية على هذا الأسلوب، فقالوا:


إن الآية جاءت بصيغة الحاضر بدلاً من صيغة الماضي، جريًا على عادة العرب في الاستعمال؛ حيث يستعملون صيغة المضارع تعبيرًا عن الماضي؛ لاستحضار صورة الحدث، وكأنه يقع الآن. قال ابن هشام في (مغني اللبيب): إنهم يعبرون عن الماضي، كما يعبرون عن الشيء الحاضر؛ قصدًا لإحضاره في الذهن، حتى كأنه مُشاهد حالة الإخبار ".


وعلى هذا الأسلوب جاءت كثير من الآيات القرآنية، غير الآية التي بين أيدينا، من ذلك قوله تعالى: { والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا } (فاطر:9) فلم يقل سبحانه: ( فأثارت ) بصيغة الماضي، وإنما قال: { فتثير } بصيغة الحاضر؛ لاستحضار تلك الصورة البديعة، الدالة على القدرة الباهرة من إثارة السحاب، وكأنها تحدث الآن، حيث تبدو أولاً قطعًا متناثرة، ثم تأتلف وتتداخل فيما بينها، إلى أن تصير ركامًا، ويتشكل منها الماء .


ومن ذلك أيضًا قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام و فرعون : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } (القصص:5) مع قوله أيضًا: { ونري فرعون وهامان وجنودهما } (القصص:6) فإن ( المنَّ ) على موسى بالنصر والتأييد قد تم وانتهى، وأصبح من التاريخ والماضي، ولكن جاء الخطاب القرآني بصيغة المضارع { نمن } ليستحضر القارئ صورة النصر والتأييد، وكأن مجريات الأحداث تجري بين ناظريه. وقل مثل ذلك في عاقبة فرعون ، حيث جاء التعبير القرآن بصيغة المضارع { ونري }؛ لاستحضار صورة الهزيمة، والعاقبة الوخيمة التي آل إليها أمر فرعون ومن معه .

ومن الأمثلة الشعرية على هذا الأسلوب، قول الشاعر تأبط شرًا ، وكان قد دخل في صراع مع ضبع من الضباع، يقول في وصف هذا الصراع:

بأني قد لقيت الغول تهوي بسهب كالصحيفة صحصحان

فأضربها بلا دَهَشٍ فخرت صريعًا لليدين وللجران


فالشاعر قد ضرب الضبع في الماضي، وضَرْبها قد مضى وانتهى، لكن لما قصد أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها، ويطلعهم على حقيقتها، للتعجب من جرأته على كل هول، وثباته عند كل شدة، عبر عن ذلك بصيغة المضارع، فقال: ( فأضربها ) ولم يعبر بصيغة الماضي: ( فضربتها )؛ والذي دعاه للعدول عن صيغة الماضي إلى صيغة المضارع، استحضار تلك الصورة العجيبة، من إقدامه وثباته، حتى كأنهم يبصرونه في تلك الحالة .


وعلى هذا الأسلوب أيضًا جاء قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:


يُغشون حتى ما تَهِرُّ كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل


فقد عبر الشاعر عن المعنى الذي يريد إيصاله بصيغة المضارع ( تَهِرُّ )، مع أنه يخبر عن أمر قد مضى وانتهى، وما ذلك إلا لبعث الماضي في صورة الحاضر، وتصويره كأنه يحدث الآن .


وهذا الأسلوب الشائع في لغة العرب، والذي جاء القرآن الكريم على وفقه، إنما يُعمل به إذا عُرف المعنى، ولم يكن هناك التباس وغموض .


على أن مجيء الآية على هذا الأسلوب وراؤه أمر بلاغي؛ وذلك أن التعبير بصيغة الماضي يفيد الانقطاع والانتهاء، وهذا غير مراد في الآية، حيث جاءت لتبين الكيفية التي خلق الله فيها آدم ؛ لأنه لو قيل: ( كن فكان ) لصدق هذا التعبير على وجود آدم لحظة واحدة من الزمن، ولو كان قد مات لحظة خلقه .


أما التعبير بصيغة المضارع: { كن فيكون } فيفيد الدوام والاستمرار؛ وهذا يدل على أن آدم وجد، واستمر وجوده حتى أنجب ذكورًا وإناثًا؛ لأن دلالة المضارع تبدأ من الحال، وتستمر في الاستقبال .





:kkk::kkk:
يتبع

الحوراء
31 - 8 - 2010, 5:48 PM
-3-

{ إن رحمت الله قريب من المحسنين }


من الشُّبه اللغوية التي أثيرت حول القرآن الكريم، ما يتعلق بقوله تعالى: { إن رحمت الله قريب من المحسنين } (الأعراف:56)


ووجه الشبهة فيما زعموا يتلخص في السؤال الآتي:


لماذا لم يُتْبَعْ خبرُ { إنَّ } وهو: { قريب } اسمها، وهو { رحمت } في التأنيث، وكان حقه أن يقول: ( إن رحمة الله قريبة ) إذ ينبغي أن توافق الصفةُ الموصوفَ تذكيرًا وتأنيثًا، وإفرادًا وتثنيةً وجمعًا .



وقبل أن نجيب عن هذه الشبهة، من المفيد أن نقول بداية: إن كلمة { رحمت } في الآية التي بين أيدينا، قد كُتبت بالتاء المفتوحة في المصحف الشريف، وليس بالتاء المربوطة، كما هي في الكتابة الإملائية المعتادة؛ وتعليل ذلك أنها هكذا رُسمت في المصحف العثماني .



إذا تبين هذا، نشرع في الإجابة عن هذه الشبهة، فنقول: إن للعلماء توجيهات عديدة في الإجابة عن هذه الشبهة، بيد أننا نقتصر هنا على أقوى تلك التوجيهات، وأقومها رشدًا، وأقصدها سبيلا .



فمن تلك التوجيهات قولهم: إن من أساليب اللغة العربية، أن القرابة إذا كانت قرابة نسب، تعيَّن التأنيث فيها في الأنثى؛ فتقول: هذه المرأة قريبتي، أي: في النسب؛ ولا تقول: قريب مني. وإن كانت القرابة قرابة مسافة، جاز التذكير والتأنيث؛ فتقول: داره قريب وقريبة مني. قالوا: ويدل لهذا التوجيه، قوله تعالى: { وما يدريك لعل الساعة قريب } (الشورى:17) وأيضًا قوله سبحانه: { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا } (الأحزاب:63) ومن هذا القيبل، قول امرئ القيس :


له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا




فذكَّر ( قريب ) مع أنه صفة لمؤنث، باعتبار أن القرابة قرابة مكانية لا نَسَبِيَّة.



ومنه أيضًا، قول عروة بن الورد :


عشية لا عفراء منك قريبة فتدنو ولا عفراء منك بعيد




فأنَّث ( قريبة ) وذكَّر ( بعيدًا ) على ما تقدم. ولو كان القريب، من القرابة في النسب، لم يكن مع المؤنث إلا مؤنثًا. فهذا التوجيه الأول للآية .



التوجيه الثاني قولهم: إن صيغة ( فعيل ) تأتي على ضَربين، أحدهما: بمعنى ( فاعل ) كقدير، وسميع، وعليم. والثاني: تأتي بمعنى ( مفعول ) كقتيل، وجريح، وكحيل؛ كله بمعنى ( مفعول ). فإذا أتت بمعنى ( فاعل ) فحقُّها إلحاق تاء التأنيث مع المؤنث دون المذكر؛ كجميل وجميلة، وشريف وشريفة، وصبيح وصبيحة، وصبي وصبية، ومليح ومليحة، وطويل وطويلة ونحو ذلك. وإذا أتت بمعنى ( مفعول ) فلا تخرج عن حالين: إما أن تكون الصفة مصاحبة للموصوف، أو منفردة عنها؛ فإن كانت الصفة مصاحبة للموصوف، استوى فيها المذكر والمؤنث؛ تقول: رجل قتيل، وامرأة قتيل، ورجل جريح، وامرأة جريح؛ وإن لم تكن الصفة مصاحبة للموصوف، فإنها تؤنث، إذا جرت على المؤنث، نحو قتيلة بني فلان. وهذا المسلك هو من أقوى مسالك النحاة في توجيه الآية .



وثمة توجيه آخر للآية حاصله، أن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر، لكونه تبعًا له، ومعنًى من معانيه؛ فإذا ذُكر أغنى عن ذكره، لأنه يُفهم منه. ومنه على أحد الوجوه قوله تعالى: { إن نشأ ننـزِّل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين } (الشعراء:4) فاستغني عن خبر ( الأعناق ) بالخبر عن أصحابها. ومنه أيضًا في وجه، قوله تعالى: { والله ورسوله أحق أن يرضوه } (التوبة:62) فالمعنى عليه: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك. فاستغنى بإعادة الضمير إلى الله، إذ إرضاؤه هو، إرضاء لرسوله، فلم يحتج أن يقول: يرضوهما. فعلى هذا، يكون الأصل في الآية: إن الله قريب من المحسنين، وإن رحمة الله قريبة من المحسنين. فاستُغْنيَ بخبر المحذوف عن خبر الموجود، وسوَّغ ذلك ظهور المعنى .



وقريب من هذا، ما ذكره ابن القيم ، قال - رحمه الله -: " إن الرحمة صفة من صفات الرب تبارك وتعالى، والصفة قائمة بالموصوف لا تفارقه؛ لأن الصفة لا تفارق موصوفها، فإذا كانت رحمته سبحانه قريبة من المحسنين، فالموصوف تبارك وتعالى أولى بالقرب منها، بل قرب رحمته تعالى تَبَعٌ لقربه هو من المحسنين. وقد تقدم في أول الآية، إن الله تعالى قريب من أهل الإحسان بإثابته، ومن أهل السؤال بإجابته. وإن الإحسان يقتضي قرب الرب من عبده، كما أن العبد قريب من ربه بالإحسان، وإن من تقرب منه شبرًا، تقرب الله منه ذراعًا، ومن تقرب منه ذراعًا، تقرب منه باعًا، فالرب تبارك وتعالى قريب من المحسنين، ورحمته قريبة منهم، وقربه يستلزم قرب رحمته. ففي حذف التاء ههنا تنبيه على هذه الفائدة العظيمة الجليلة. إن الله تعالى قريب من المحسنين، وذلك يستلزم القربين: قربه وقرب رحمته؛ ولو قال: إن رحمة الله قريبة من المحسنين،لم يدل على قربه تعالى منهم؛ لأن قربه تعالى أخص من قرب رحمته، والأعم لا يستلزم الأخص، بخلاف قربه، فإنه لما كان أخص استلزم الأعم، وهو قرب رحمته ". ثم قال - رحمه الله - بعد أن ذكر هذا التوجيه للآية: "...فلا تستهن بهذا المسلك، فإن له شأنًا، وهو متضمن لسر بديع من أسرار الكتاب... وهو من أليق ما قيل فيها. وإن شئت قلت: قربه تبارك وتعالى من المحسنين، وقرب رحمته منهم متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فإذا كانت رحمته قريبة منهم، فهو أيضًا قريب منهم، وإذا كان المعنيان متلازمين، صح إرادة كل واحد منهما، فكان في بيان قربه سبحانه من المحسنين، من التحريض على الإحسان، واستدعائه من النفوس، وترغيبها فيه غاية حظ لها، وأشرفه وأجلُّه على الإطلاق، وهو أفضل إعطاء أُعطيه العبد، وهو قربه تبارك وتعالى من عبده، الذي هو غاية الأماني، ونهاية الآمال، وقرة العيون، وحياة القلوب، وسعادة العبد كلها. فكان في العدول عن ( قريبة ) إلى ( قريب ) من استدعاء الإحسان، وترغيب النفوس فيه، ما لا يختلف بعده إلا من غلبت عليه شقاوته، ولا قوة إلا بالله " ا.هـ .



على أن الآية الكريمة قد وجِّهت بتوجيهات أُخر، لم نأتِ على ذكرها؛ استغناء بما هو أولى بالاعتبار، واقتصارًا على ما يفي بالمقام، ودفعًا لم يثيره قاصري الأفهام. وأيضًا يتبين بما تقدم، أنه ليس ثمة إشكال في الآية، وإنما الإشكال في الأذهان العليلة، والعقول القاصرة، عن فهم كلام العرب وأساليبهم التعبيرية، والذي على وَفْقه نزل كلام الرحمن. وعلى الله قصد السبيل، وهو الموفق للصواب والتسديد .
:kkk::kkk:
يتبع

الحوراء
31 - 8 - 2010, 5:49 PM
-4-

شبهة لغوية حول قوله تعالى: { والصابرين في البأساء والضراء


من الشُّبه اللغوية التي تعلق بها من يريد الطعن في القرآن الكريم، وبالتالي الطعن في هذا الدين، ما جاء في قوله تعالى في آية البِرِّ: { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء } (البقرة:177) والشبهة التي تعلقوا بها هنا تقول: الصواب أن يقول: ( والصابرون ) بالرفع، لأنه معطوف على قوله: { والموفون بعدهم } والمعطوف على المعطوف يأخذ حكمه، رفعًا ونصبًا وجرًا .

وقد أجاب العلماء على هذه الشبهة، فقالوا: إن { مَن } في قوله تعالى: { ولكن البر مَن آمن بالله... } اسم موصول يفيد الجمع، وهو في محل رفع، وتقدير الكلام: ( لكن البر المؤمنون والموفون..) ثم قالوا: { والصابرين } هو صفة لـ { مَن } في قوله تعالى: { ولكن البر مَن آمن } نُصب على وجه المدح؛ لأن من شأن العرب - إذا تباعدت صفة الواحد - الاعتراض بالمدح والذم، بالنصب أحيانًا، وبالرفع أحيانًا أُخر؛ فمن أمثلة المدح نصبًا في كلام العرب، قول شاعرهم:

إلى الملك القرم وابن الهمام وليثَ الكتيبة في المزدحم
وذا الرأي حين تغم الامور بذات الصليل وذات اللجم
فنَصَبَ ( ليثَ الكتيبة ) و( ذا الرأي ) على المدح، مع أن الاسم قبلهما ( الملكِ القرم ) مخفوض، لأنه من صفة واحد، لكن نصبه على سبيل المدح والتنبيه؛ ومنه قولهم:

وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم إلا نميرًا أطاعت أمر غاويها
الظاعنين ولما يظعنوا أحدًا والقائلون لمن دار نخليها
فنَصَبَ ( الظاعنين ) على المدح، وحقه الرفع، بدليل قوله بعد: ( والقائلون ) .
ومثله أيضًا، قول قائلهم:

لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هموا سُم العُداة وآفة الجُزْر
النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأُزْر
فنَصَبَ ( النازلين ) على المدح، وحقه الرفع، بدليل قوله بعد: ( والطيبون ) .

ومن النصب على المدح أيضًا، قوله تعالى: { والمقيمين الصلاة } (النساء:162) مع أنه معطوف على مرفوع، وهو قوله تعالى: { لكن الراسخون في العلم } (النساء:162).

ومن النصب على الذم، قوله تعالى: { ملعونين أينما ثقفوا } (الأحزاب:61) فنصب على الذم .

ومن أمثلة الرفع في موضع النصب للغرض السابق، قوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون.. } (المائدة:69) فرفع { والصابئون.. } مع أنه معطوف على اسم { إنَّ } المنصوب، وحقه أن يقول: ( والصابئين ) لكن عدل عن ذلك، جريًا على عادة كلام العرب وسَنَنِهم في التنبيه والتخصيص، ونحو ذلك .

قال سيبويه في باب ( ما ينتصب على التعظيم والمدح ): وإن شئت جعلته صفة، فجرى على الأول، وإن شئت قطعته فابتدأته؛ قال: ولو رُفع { والصابرين } على أول الكلام كان جيدًا، ولو ابتدأته فنصبته على الابتداء كان جيدًا .

ثم إن هناك من وجَّه الآية، فقال: النصب في الآية إنما هو من باب الاختصاص، وهو قريب مما تقدم، قالوا: والعرب تنصب على المدح وعلى الذم، كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم، ولا يتبعونه أول الكلام؛ وعليه فإنما نصب { الصابرين } على الاختصاص؛ مدحًا لحالهم، وحثًا على سلوك طريقهم، لشدته وصعوبته. قالوا: والنصب - على هذا - بفعل محذوف، تقديره: وأمدحُ الصابرين، أو أخصُّ الصابرين، ونحو ذلك مما يقتضيه السباق والسياق، وباب ( النصب على الاختصاص ) باب واسع في كلام العرب .

قال الخليل بن أحمد : والعرب تنصب الكلام على المدح والذم، كأنهم يريدون إفراد الممدوح والمذموم، فلا يتبعونه أول الكلام .

وقال أبو عبيدة : النصب على تطاول الكلام وتباعده، ومن شأن العرب أن تغيِّر الإعراب، إذا طال الكلام وبَعُدَ النسق .

وقال صاحب "الكشاف": النصب على المدح، باب واسع، كسَّره سيبويه على أمثلة وشواهد .

قال أهل اللغة: وهذا أسلوب واسع ومعهود في كلام العرب، لا مطعن فيه من جهة الإعراب .

ثم قال في "الكشاف" حول الشبهة التي نحن بصددها : ولا يُلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنًا في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان. وقد عقب الشيخ ابن عاشور على قول الزمخشري بقوله: إنَّ تكرره وتقارب الكلمات يربأ به عن أن يكون خطأ، أو سهوًا، وهو بين كلمتين مخالفتين إعرابه .

على أن هناك من القرَّاء من قرأ { والصابرون } بالرفع، عطفًا على { والموفون بعهدهم } وهذه قراءة يعقوب ، وهي قراءة متواترة؛ وعلى هذه القراءة فلا مطعن لطاعن في الآية .

فإذا تبين هذا، وعُلِمَ أن الأمر جارٍ وفَقَ سَنَن لسان العرب ولغتهم، لم يبق متمسك لأصحاب هذه الشبهة، بل العيب فيهم إذ جهلوا لغة العرب وأساليبهم في نظم الكلام وسبكه، وكفى بالمرء عيبًا أن يقول ما لا يعلم، فكيف إذا كان يطعن فيما لا علم له به ؟! نسأل الله أن يبصِّرنا الحق ويرزقنا اتباعه، ويجنبنا الزلل والخطأ .

الحوراء
31 - 8 - 2010, 5:50 PM
أتمنى الاستفادة للجميــــــــــــــــــــع

عزف الدموع
3 - 9 - 2010, 12:20 AM
http://img523.imageshack.us/img523/328/52507248.gif
http://abeermahmoud.jeeran.com/page%205/352-thanks.gif
http://islamroses.com/zeenah_images/w6w2005041919345643d1e4f8.gif

الحوراء
3 - 9 - 2010, 2:35 PM
عـــــــــــــــزف الدمـــــــــــوع


بارك الله فيك
وفى ردك الجميل

ونسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا
وينفعنا بما يعلمنا

آمييييييين


وان شاء الله أخى
تعزف أحلى نغمات السعادة والفرح فى حياتك
بدلا من الدموع

سعدت لتواجدك

L o S t
3 - 9 - 2010, 3:35 PM
طُِــبعآ‘ آ‘نآ‘ مآ‘ قرٍتشُ ده كُِــلِــهُ بسُ وصِــلُى مفهِــوٍم آ‘لمِــوضِوٍع

ولآ‘زُم يكِــوٍن عـندنآ‘ وعى وآحنآ‘ بنقرأ آ‘لقـرآ‘نُ بآ‘لكلمآ‘ت آ‘لتى ذكرتيهآ‘ بنطق وهيآ‘ آ‘لمفروض بنطق آخرٍ

حسُـبُ آ‘لصـيغه وآ‘لتشـكيُـل

فجِــزآ‘كى آ‘لله كِــلُ خيُــرٍ

تقِـبلى مروٍرى آ‘لبسُـيط

تحيـآتى ليُـكى

L o S t

اسير الحب
3 - 9 - 2010, 5:32 PM
جزاكم الله خيرا اخواتى واصدقائى